الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

وبرق مشيب في ظلام ذوائب

عدد الأبيات : 77

طباعة مفضلتي

وبَرقُ مَشيبٍ في ظلامِ ذَوائبٍ

له قَطْرُ دمعٍ من غمامِ جُفونِ

أَرِقْتُ له لمّا أَضاء وَميضُه

أُقلِّبُ منّي فيه طَرْفَ حَزين

وقلتُ له يا برقُ هل أَنت زائدي

على حُرَقي أَم تاركي وشُجوني

بُروقُ الورَى تَبْدو وتَخْفَى سريعةً

وبَرْقي مُقيمٌ ليس يَرحَلُ دوني

ومن عَجَبٍ أَنّي لدى لَمعانِه

عَلِقْتُ بحَبْلٍ للوَقارِ مَتين

وعَهْدي بنَفْسي قبلَ ذلك لم أَشِمْ

سَنا بارقٍ إلاّ وجُنَّ جُنوني

فأصبحتُ قد ودَّعتُ عهدَ شَبيبتي

وقلتُ لأطْرابي حَرُمْتِ فَبِيني

وكلُّ حَراكٍ كان بي نحْوَ لذّةٍ

تَبدَّلَ منّي عَهْدُه بسُكون

سوى واحدٍ أَنّي إذا ذُكرَ الصِّبا

وماضيهِ لم أَملِكْ إليه حَنيني

سأُمسك عن قَدْحي لنارِ بلابلٍ

غدَتْ في زِنادِ القَلْبِ ذاتَ كُمون

أَروحُ على عَزْمٍ جَموحٍ إلى العُلا

مُسايرَ جَدٍّ في الجُدودِ حَرون

وأَظْهَر لي ما أَضمرَ الدّهرُ حقْبةً

ودهرُ الفتَى ذو أَظهُرٍ وبُطون

ولمّا رأَيتُ الرّأسَ جَنَّحَ نَمْلُه

وقلتُ نذيرٌ باقْتِرابِ مَنون

ولم أَك للعُقْبَى قطعْتُ علائقي

ولم أَك للدُّنيا قضَيْتُ شُؤوني

أَسِفْتُ على عُمْرٍ تَصرَّمَ ضائع

وجُدْتُ بدَمْعٍ يَسْتَهِلُّ هَتون

وآنسَني بُعْدي من النّاسِ جانباً

وإنْ هُمْ على أَحْداقهم حَملوني

فلمّا غدا عِبْئاً على جَفْنِ ناظري

لقاءُ الورَى من صاحبٍ وخَدين

أَلِفْتُ الفلا مُستوطناً ظهْرَ ناقةٍ

تَلُفُّ سُهولاً دائماً بحُزون

وما سِرْتُ إلاّ في الهَواجرِ وحْدَها

كراهةَ ظلّي أنْ يكونَ قَريني

وآلَيتُ لا استَخْلصْتُ لي غيرَ صاحبٍ

حفيظٍ على سِرِّ الخليلِ أَمين

صَموتٍ فإن جَرَّدْتَه فجَميعُه

لسانٌ مُبينُ الهامِ غيرُ مُبين

نَزيلِ شِمالي الدّهرَ ما نام جَفنُه

فإن أَيقظتْهُ الحربُ حَلَّ يَميني

ومَطْويّةِ الأقرابِ طاويةِ الفلا

بطُولِ نَجاءٍ بالنَّجاحِ ضَمين

تُوسِّدُني إحدى يدَيْها وتارةً

بأربَعِها أطْوي البلادَ أَمون

فيا صاحبيَّ اليومَ والدّهرُ رائعي

بأعجَبِ أبكارٍ طَرقْنُ وعُون

لِيَهْنِكُما أنّي الغداةَ إليكما

على عِزِّ أَنصاري جَعلْتُ ركوني

ألا فصِلاني بارك اللهُ فيكما

ولا تَعْبآ بالصَّحْبِ إن هَجَروني

فما هيَ إلاّ عزْمةٌ بعْدها الغِنَى

وتَرويحُ رَحْلٍ عنْدَها ووَضين

بنا ظَمأٌ بَرْحٌ وبالرَّيِّ رِيُّنا

وما تلك عندي من نوىً بشَطون

وما تُنكِرُ الأقوامُ يومَ بلُوغِها

لئنْ صدقَتْ فيما رجَوْتُ ظُنوني

إذا راحَ بعدَ اللهِ يا دهرُ أو غدا

عليكَ مُعينُ الدّينِ وهْو مُعيني

إذا عَلِقَتْ كَفّي بحَبل رجائهِ

فَقُلْ لِلّيالي كيف شِئْتِ فكُوني

فتىً عنده للمُستَعينِ برأيهِ

إغاثةُ دُنياً أو إعانَةُ دِين

هُمامٌ إذا لاقَى الوفودَ أنالَهمْ

جميعَ الأماني ثُمَّ قال سَلوني

إذا ما اشْتَرى حُسنَ الثّناء بمالِه

رأى نَفْسَه في ذاك غيرَ غَبين

صَفوحٌ عنِ الجاني سَفوحٌ حُسامُه

خُشونتُه أَضحتْ قرينةَ لين

إليهِ انْتِسابُ الفضْلِ مثْلُ انتسابِه

إلى الفَضْلِ صِدْقٌ فهْو غيرُ ظَنين

فلا فاضِلٌ تَلْقاهْ إلاّ وعندَه

يُبدِّلُ عزّاً يَقْتَنيهِ بهُون

له مَجلسٌ قد ظَلَّ للعلْمِ مَعْلَماً

مَضمَّ الورى من زائرٍ وقَطين

جَموعٌ لأصحابِ الإمامَيْنِ كُلِّهمْ

بهِ ذو مكانٍ يَرْتَضيهِ مَكين

إذا رَكضوا في حَلْبةِ الفِقْهِ راقَنا

بُدُوُّ هجانٍ عندَها وهَجين

أئمّةُ عَصْرٍ كالنُّجومِ مُطيفةٌ

ببَدْرِ عُلاً للنّاظرِينَ مُبين

فلا افْترقَ الشّمْلُ الّذي هو جامعٌ

بصَرْفِ زمانٍ للكرامِ خَؤون

ولا زالَ منه الدِّينُ يُصبحُ لاجئاً

إلى طَوْدِ عزِّ في الخُطوبِ رَزين

مَديدِ ظلالٍ للرَّعايا ظليلةٍ

وحِصْنٍ لأسرارِ المُلوكِ حَصين

أخي شَغَفٍ منه بفنِّيْنِ زائدٍ

وإنْ جاء من إحسانهِ بفُنون

بإجْراء مالٍ للعُفاةِ معونةً

وإجراء ماءٍ بالفلاةِ مَعين

فيا بَحرَ جودٍ لم يُحَدَّ بساحلٍ

ولَيْثَ وغىً لم يَعْتَزِزْ بعَرين

لنا من نَداهُ كلُّ بَدْرٍ وبَدْرةٍ

وكلُّ نفيسٍ يُقْتَنى وثَمين

وكلُّ وجيهيٍّ أغرٍّ مُحجَّلٍ

مُقَيَّدِ حُورٍ بالفَلاةِ وَعين

سَبوقٍ لخيلِ اللّيلِ والصُّبحِ عَفْوُهُ

على بُعْد شأوٍ للرّهانِ بَطين

جَرى أشهَبُ الإصْباحِ وهْو وراءه

فلمّا تَجلَّى بادياً لعُيون

أبَى غيرَ سَبْقِ الصُّبْحِ مَعْ شُغْلِه له

بشَكْلِ ثلاثٍ بعْدَ لَطْمِ جَبين

أيا صاحباً زان الزَّمانَ بفَضْلِه

فلا افْتَرقا من زائنٍ ومَزين

لقد نام بيضُ الهندِ أمْناً فما يُرَى

لَهُنَّ غِرارٌ هاجراً لجُفون

ومُذْ شاهدَتْ أطرافَ أقلامهِ القَنا

أَبَتْ خِيفةً إلاّ ارْتعادَ مُتون

وحُسّادُه اشْتاقَتِ عطاشُ حُلوقِهمْ

وُرودَ مياهِ في الجُفون أُجون

ليُطْلِقَ أرواحاً غَدتْ من جُسومهمْ

مُعذَّبةً في مُظْلماتِ سُجون

إذا ما نطاقُ العَفْوِ ضاقَ عنِ العدا

وباؤوا بحَرْبٍ لا تُطاقُ زَبون

غدَتْ تَنْبُشُ العِقبانُ عنهمْ لتَهْتدي

إلى كلِّ ثاوٍ في القَتامِ دَفين

بكَ الرَّيُّ أَضحتْ وهْيَ للنّاسِ كَعبةٌ

بعيدةُ رُكْنٍ من صَفاً وحَجون

ولولاكَ ما كانتْ تَغَصُّ عِراصُها

بخَيْلٍ لنُزّاعِ البلادِ صُفون

أَتَى غُرَمائي يومَ أَزمعْتُ رِحْلتي

وقد أَنظروني القومُ وانْتَظروني

وقلتُ إلى المولَى المُعينِ تَوجُّهي

فطالَبني بالحَقِّ كُلُّ مُدين

وعَدُّوا رَجائيهِ غنىً فتَباشَروا

بذلكَ إلاّ أَنّهمْ لَزِموني

مدَحْنا وفي أَجيادِنا وَسْمُ جُودِه

كما خَطبَتْ خَطْباءُ فوقَ غُصون

كأنّا حَمامٌ حينَ لاقتْ نفوسَنا

جزَتْ صَوْغَ أَطواقٍ بصَوْغِ شُجون

ومَنْ لي لِما تُولي بشكرِ ابْنِ حُرّةٍ

بأدْنَى قضاءِ الحقِّ عنه قَمين

وما لي سوى شكرٍ وإنْ كان قاصراً

بسالفٍ ما أَوْلَيْتَنيهِ رَهين

حياءً لأملاكِ الزّمانِ إذا همُ

رأو مَوْضعي في الفَضْلِ واطَّرحوني

فعَيبِيَ أَنْ لم يَعْرِفوني وعيْبُهمْ

إذا ضيّعَوني بعدَ أَنْ عَرَفوني

دنا مِن مُناهُ مَنْ نأى عن ديارِه

إليكَ ونال المُبتغَى بيقين

إذا بذَلَ الرَّاجي لك الوجْهَ صُنْتَهُ

وكنتَ له بالمالِ غيرَ ضَنين

لصَوْنكَ مبذولاً من الوجهِ طالما

بذلْتَ من الأموالْ كُلَّ مَصون

عزَزْتَ بفضْلِ المالِ لمّا أَهنْتهُ

وهان له مَن كان غيرَ مُهين

رجاؤكَ بعدَ اللهِ أَحْيا حُشاشتي

وقد غَلِقَتْ عند الحِمامِ رُهوني

ولو شِئْتُ أَيضاً رَدَّ شَعريَ حالكاً

وجلْدةَ وجهي غيرَ ذاتِ غُضون

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني