الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

لولا طروق خيال منك منتظر

عدد الأبيات : 76

طباعة مفضلتي

لولا طُروقُ خيالٍ منكَ مُنتظَرِ

يُلمُّ بي راقداً ما ساءني سَهَري

وإن خَلتْ منك عَيني حين تُسهِرها

فليس يُخْليك طُولُ الوجْد من فِكَري

تَحُلُّ في ناظِري إن زُرتَني أبداً

عِزّاً وفي خاطِري إن أنت لم تَزُر

يا مَن غدا فَرْط حُبّي وهْو يَحملُه

على البصيرة منّي أو على البَصَر

إنْ تَغْشَ طَرْفي وقلبي نازلاً بهما

فالطرفُ والقَلبُ كُل مَنزلُ القَمر

إن يَطْرُقِ الطّيفُ عَيني وهْي باكيةٌ

فالبَدْرُ في الغيم يَسْري وهْو ذو مَطر

عَمْري لقد سَحَر الأبصارَ حين سَرى

بَدراً ولم يُر لمّا زار في سَحَر

فَمَرَّ مِنّي بغُمْضٍ كان جاء به

وقُمْتُ أبكي بدمْعٍ عندها دَرَر

كأنّ جَفْنِيَ إكراماً لزائرِه

أمسَى على قَدمَيْه ناثرَ الدُّرر

تحيّةٌ من عَرارِ الرَّمْلِ واصلةٌ

والرَّكبُ يَطلُعُ من أعلامِ ذي بَقَر

وليس بالرّيح إلاّ أنّها نَسمَتْ

على مساحب ذيلٍ بالحِمَى عَطِر

كم زرتُهم وحُماةُ الحَيِّ مانعةٌ

للبيضِ بالبيض أو للسُّمْر بالسُّمُر

أرمي إليهم بطَرْفِ العَيْن أقسِمُه

بين الرّقيب وبين الإْلف من حَذَر

كعَينِ ذي ظَمأ أمسَتْ مُعايِنةً

للماء ساعةَ لا وِرْدٍ ولا صَدَر

لله خيلُ بُكاً تَجْري صَوالِجُها

أهدابُ عَيني وقَطْرُ الدّمع كالأُكر

تَخُدُّ حَلْبةَ خَدّي كلّما ذكروا

منها سَوابقُ ما تَنفكُّ في حُضُر

والجوُّ كالرّوضةِ الخضراءِ مُعرِضةٌ

لناظرِي والنّجومُ الزُّهْرُ كالزَّهَر

واللّيلُ كالرّاية السّوداء قدّمَها

للصُّبِح خيلٌ تُرى مُبيضّةَ الغُرَر

يَحكي لواءَ بني العبّاس يومَ وغىً

إذا بدا وجيوشُ التُّركِ في الأثَر

لا حائدٌ عنهما يَنجو على بُعُدٍ

أن يُدرِكهُ ولا يَأْوي إلى وَزَر

هما اللّذانِ إذا مالا على أُمَمٍ

لم يُبْقِ مَرُّهما شيئاً ولم يَذَر

إنْ ساعَدا زَمناً أو عانَدا أتَيا

بغايةِ التّفعِ للأقوامِ والضَّرر

لا يَعجبَنّ ملوكُ الأرض حين غدَوْا

واسْمُ السّوادِ لديهم رايةُ الظَفَر

لو لم يكُنْ وأيادي اللّهِ سالفةٌ

هذا الشِّعارُ معَ الأفلاك لم تَدُر

قد أَسندَتْ أَمرَها الدُّنيا إلى مَلِكٍ

ما افتَرّ عن مثْلِه خالٍ منَ العُصُر

كأنّما قال أَحداثُ الزّمانِ له

يا أَقدرَ النّاسِ قُمْ للّهِ فانتَصِر

فقد غدا الدّينُ يُغضي طَرْفَ مُضطَهَدٍ

وأَصبحَ الحقُّ يُخْفي شخصَ مُستَتِر

فقام مُستَظْهراً باللّهِ يُظْهِرُه

بالرَأْيِ طَوراً وبالهِنديّةِ البُتُر

راعٍ يَبيتُ على قاصي رَعيّتِه

فؤادُه كجناحِ الطّائرِ الحَذِر

محاسنُ السّلَفِ الماضينَ كُلِّهمُ

مجموعةٌ فيه جَمْعَ القَطْرِ في الغُدُر

له يدٌ خُلِقَتْ للجودِ فهْو لَها

طبعٌ كما خُلِقَ العينانِ للنَّظَر

إن أنت يا بحرُ لم تَملِكْ ندىً خَضِلاً

فمِنْ يمينِ الإمامِ القائمِ اسْتَعِر

وأَنت يا بَدرُ إن أَظلَمْتَ في أُفُقٍ

فجُزْ بسُدّتهِ العَلْياء تَستَتِر

ويا حُسامُ إذا لم تَحْكِ عَزْمتَه

فما تَسَمّيك بالصّمصامةِ الذَّكَر

مَلْكٌ إذا قَدَّرتْ أمراً عزائمُه

وافَى معَ القدَر الجِاري على قَدَر

في مَعْرِضِ السِّلْمِ تَجلو الحَرْبُ نَجدَته

إذا الأعادي رَمَوا باللّحْظِ من أَشَر

فالسُّمْرُ مركوزةٌ والبِيضُ مُغمَدةٌ

لكنّها في طُلىً منهمْ وفي ثُغَر

إذا تلاقَتْ له يوماً قناً وعِداً

أَجلَيْنَ عن مِزقٍ منها وعن كِسَر

من كلِّ كَعْبٍ لها بالكَعْبِ مُختلِطٍ

وكلِّ صَدْرٍ لها في الصَّدْرِ مُنْكَسِر

للّهِ دَرُّك إذ تَرعَى الورَى حَدِباً

من مُقْتفٍ سُنَنَ الآباء مُقْتَفِر

له من الحَبْرِ عبدِ اللّهِ علْمُ هُدىً

يُجْلَى من النُّطْقِ في أَبهَى من الحِبَر

ويَسحَرُ القلبَ تسويدُ البياضِ بِه

كأنّما هو مجموعٌ منَ الحَوَر

يا مَنْ سريرتُه عَدْلٌ وسيرتُه

لكلِّ مُستَخْبِرٍ عنها ومُخْتَبِر

نَفديك من مَلِكٍ إنْ يَغْدُ مُنْتَقِماً

يُمهِلْ وإنْ يُسألِ الإنعامَ يَبتَدِر

أَغَرُّ أَزهَرُ فيّاضٌ أَنامِلُه

من معشرٍ كمصابيحِ الدُّجَى زُهُر

قومٌ بنو خَيرِ أَعمامِ النّبيِ هُمُ

فما يُدانيهمُ فَخْرٌ لمُفتَخِر

يا وارثَ الأرضِ والأمرِ المُطاعِ بها

إرْثاً من السّابقِ المكتوبِ في الزُّبُر

بِكُمْ قديماً رسولُ اللّهِ بَشَّرنا

كما بِه بشّرتْنا سالفُ النُّذُر

لمّا غدا من أبيكم واضِعاً يَدَهُ

مَجداً على ظَهْرِ خيرِ البدْوِ والحضَر

وأنتُمُ فيه أسرارٌ مُكتَّمةٌ

من كلِّ وارثِ مُلْكِ الأرضِ مُنتظَر

إليكُمُ مَدَّ يُمناهُ يُعاهِدُكم

هُناك بالعدلِ والإحسانِ في السِّيَر

شبيهَ ما عاهدَ اللّهُ الأنامَ وهم

من بعدُ في الظَّهْرِ سِرٌّ من أَبي البَشَر

حُكْمٌ قضَى لكُمُ رَبُّ السّماء به

على العبادِ برَغْمِ الكاشِحِ الأشِر

هل بعد قولِ رسولِ اللّهِ من رِيَبٍ

أم هل كصِدقِ رسول اللّه في خَبَر

سَمَّى الخلافةَ مُلكاً بعد أَربعةٍ

هم في الأنام وأنتم خِيرةُ الخِيَر

وقال من بعدُ للعبّاس في مَلأَ

افخَرْ فأنت أبو الأملاك من مُضَر

فعِلْمُنا مُدّةَ الدنيا خلافَتُكُم

بواضحٍ في بُطون الكُتْب مُستَطَر

لا مثْلما زعمَتْ من جَهْلِها عُصَبٌ

لا يَرجِعون إلى عَيْنٍ ولا أَثَر

هل بعدَ حقٍ إذا صحَّتْ دلائلُه

إلاّ ضلالٌ فخُذْ إنْ شِئْتَ أو فَذَر

إذا تَلوْنا أحاديثاً رُوِينَ لكم

تَريبُنا نَفْرةٌ تَبدو على نَفَر

حتّى لقد صار يَحكي قولُ ذي أثَرٍ

على فؤادِ المُعادي فِعْلَ ذي أُثُر

عليه حَرْفٌ من المأثور مُشتَهِرٌ

نظيرَ حَرْفٍ من المأثورِ مُشتَهر

إلى إمام الهُدَى مَدَّتْ هَواديَها

عِيسٌ وصلْن لنا الآصالَ بالبُكَر

حتّى حطَطْنا إلى الزّوراء أرحُلَها

وعُوجُ أضلاعِها يُعدَدْن من ضُمُر

كأنّها من وعولٍ وَسْطَ مُنتطَحٍ

سلَكْنَ أو من رماحٍ بين مشتَجَر

سارتْ بنا وسرَتْ حتّى أَتَتْه بنا

ومَن يَزُرْ كعبةَ العلياء لم يَجُر

خليفةَ اللهِ صفْحاً عن أخي زَلَلٍ

فَمدْحُ مثْلكَ شَيءٌ ليس في القُدَر

لغيرِك الدّهرَ قَولي إن مَدحتُ أَصِخْ

وعند مَدحِك قَولي كلُّه اغتَفِر

إن لم تُعِدْ نظَراً فينا بعَيْن رِضاً

لم يَخلُص الصَفْوُ لي يوماً من الكَدَر

لولا رجاءٌ وخوفٌ منك مُقتَسَمٌ

ما كان عن ذنْبه دهرٌ بمُعْتَذِر

الدّهرُ عَبدُك تُرعيه الورى كرماً

فَمُرْه فينا بما أَحبَبْتَ يأْتَمِر

والأرضُ دارُك والنُّعمَى قِراك بها

والضيّفُ كُلُّ الورى والنّحْرُ بالبِدَر

فَدُمْ كذاكَ أميرَ المؤمنين لنا

جَذْلانَ في ظِلِّ مُلْكٍ غيرِ مُنحَسِر

وصُمْ وأَفطِرْ بسَعْدٍ وارْمِ أَفئدةَ ال

حسّادِ يُصبِحْنَ من مُصمىً ومُنفطِر

تَغْدو بآلِكَ ذا نَفْسٍ مُمتَّعةٍ

وأَوليائك في طُولٍ من العُمُر

ما لاحَ في جُنْحِ ليلٍ أَنجمٌ زُهُرٌ

كأنّها غُرَرٌ يَلْمَعْنَ في طُرَر

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني