الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

بملتقى لحظنا البرق الذي ومضا

عدد الأبيات : 55

طباعة مفضلتي

بمُلتقَى لَحظِنا البرقُ الّذي وَمضا

اِستوقَفَ الطَّرفَ في آثارِه ومَضى

لمّا تناعَس ساريهِ أرِقتُ له

تُراه أودَع جَفْني عندَه الغُمُضا

أبدَى كشاكلِة البلقاء صَفْحتَه

وَمرَّ يتركُ صِبْغَ اللّيلِ مُنتفِضا

وعاد ثانيَ عِطفَيْهِ على عجَلٍ

يُجِدُّ دَرْسَ خَضابٍ للظّلامِ نَضا

ما إن عَلِمْتُ له وادي الغضا وطَناً

إلاّ لِما امتار منه القلْبُ جَمْرَ غَضا

كم ذا بمَسْراهُ من عَينٍ مُؤرّقَةٍ

وأيُّ صَبٍّ عناهُ الشَّوقُ فاغتَمضا

ومن ذوائبِ أنفاسٍ وصَلْتُ بها

ُحشاشةَ اللّمْعِ جُنْحَ اللّيلِ فانتَهضا

أدنَى اليمانينَ منّا البرقُ إذ رَحلوا

فبات يُسرِعُ خلْفَ الرَّكْبِ مُرتكضا

فما الّذي يتَلاقَى الظّاعنينَ بنا

وقد ونَى البرقُ عنهمْ وانثَنى غَرضا

في ذمّةِ اللّهِ من أحبابِنا زُمَرٌ

ساروا وما اعتاضَ قلبي عنهمُ عِوَضا

وكيف ساروا وروحي بَعضُ مَن معهم

وما أَرى عُمُري للبَيْنِ مُنقَرِضا

لأنّه بعدُ في قلبي وأيُّ فتىً

لم تَنقطعْ روحُه من قَلْبِه وقَضى

فعَرِّجا بي على أَدْنَى مَعاهدِهم

يا حاديَيْنا وشَرّ العَهدِ ما نُقِضا

واستَبْقِ يا صاحِ فالوجناءُ رازِحةٌ

وَخْدَ المطايا فقد تَرمِي بها غَرَضا

أما تَرى ظِلَّها والشَّمسُ تَسرِقُه

تُحَيْتَ أَخفافِها بالقاعِ منقَبِضا

وتَمَّ مَن كَرَّ ما روَّيتُه عَلقاً

في حَيِّ قيسٍ وكان الثّأرُ مُفتَرضا

سُقْ بالأسنّةِ مالَ العامريَ غداً

إذا أَديمُ الحصَى مِن عالجٍ رَبِضا

وقَرِّطِ الخيلَ من نجدٍ أَعِنتَّها

من كلِّ أَعيطَ ملْءَ العَين مُعتَرضا

وخاطفاتٌ فُويقَ الأرضِ أَربَعُه

لا يَعلَقُ الطَّرفُ عِطفَيْهِ إذا ركضا

وقد يُنزّقُها الفُرسانُ صائحةً

إذا الوشيجُ على أَكتافِها عَرَضا

وتَتَّقي بهواديها أَعاليَها

إذا العِنانُ لتصريفِ القنا خُفِضا

واللاّبسونَ عليها كُلَّ سابغةٍ

تَدَرُّجُ الرِّيحِ دَبَّتْ في مُتونِ إضا

يَحِنُّ نِضْوي إلى ماء العُذَيْبِ ضُحىً

وما بهِ البُعدُ لولا أَنّه أُبِضا

يَظْما إليه وأَهْوَى بعضَ ساكنهِ

ويَحتوي من جُنوبِ الحَزْنِ مُنخَفِضا

ودونَ لَيلَى وإنْ طافَ الخيالُ بنا

سيوفُ رَوْعٍ إذا شاء الغَيورُ نَضا

وفي الخيامِ بواديهمْ عيونُ مَهاً

مَرْضَى على أَنّني عُلِّقْتُها عَرَضا

وإِنّما ملَكتْ قلبي وإن سحرَتْ

لأنّها اقتسمَت عن جِسميَ المَرضا

لكنّها استأْثَرَتْ منّا بحِلْيتِه

لطرْفِها وحبَتْ عُشّاقَها المَضَضا

فلو تأمّلْتَ حالَينْا عَلِمْتَ إذنْ

أنّا فَديْناكَ من مَكْروهِ ما عَرَضا

فاسلَمْ سَلِمتَ على الأيّام ما بَقيتْ

لنا جميعاً بأن نَفْدي عُلاك رِضا

ولا تَزَلْ أنتَ بالإقبالِ مُبتهِجاً

ومَن يُعاديكَ بالبَلْبالِ مُرْتَمِضا

أنت الهُمامُ الّذي دانَتْ له هِمَمٌ

إذا سواهُ ارتقَى عَلْياءها دَحَضا

له تُصاغُ عيونُ القولِ إن نُطِقَتْ

وفي عُلاهُ فصيحُ الشِّعرِ إن قُرِضا

يَخُطُّ سُوداً على بِيضٍ كَفى بهما

فَخْراً وما الدَّهرُ إلاّ ما دَجا وأضا

فالمُلْكُ لا يَكْتفي إلاّ بهِ شَرَفاً

والدِّينُ لا يَقْتضي إلاّ بهِ غَرَضا

مَن لا يَمَلُّ من العلياء إن صَعُبَتْ

ولا يَضِلُّ صوابَ الرّأي إن غَمُضا

ولا تَعاظَمُه أقطارُ مملكةٍ

عنَّتْ وإن طالَ مَتْناها وإن عرضا

مستأْسِدٌ بين عينَيْهِ عَزيمتُه

إذا تَراءتْ له أُكرومةٌ نَهَضا

يُهابُ وهْو عنِ الأقوام مُعتَزلٌ

كذلكَ الّليثُ مَرهوبٌ وإنْ رَبضا

يَفديكَ كُلُّ لئيمٍ سِيطَ من دَمِه

بُخْلٌ فلو جَسَّه الرّاجي لَما نَبَضا

وعاجِزٌ أنْ يُسامي غايتَيْكَ عُلاً

والقَرْمُ يُعجِزُ عن غاياتِه الحُفُضا

كانتْ شَكاتُك بُشرَى غيرَ خافيةٍ

أهدَتْ إلى مَضْجعَيْ حسّادِك القَضَضا

مُلمِّةٌ تَقتفي بالّلهوِ مُعقبَةً

وزُبدةٌ تُجتنَى للعيشِ إذ مُخِضا

إنّ النّسيمَ الّذي تَحيا النُّفوسُ به

أَصحُّ ما كان أنفاساً إذا مَرِضا

يا مَن عدَتْني عَوادٍ عن زيارتِه

لا أنّ ما بيننا حاشا العُلا رُفِضا

قَبضْتُ عنك الخُطا حَولاً لغيرِ قِلىً

إنّ الكريمَ إذا لم يُبْسَطِ انقَبضا

وعُدْتُ لمّا تناهَى الصّبرُ عنك هوىً

إنّ المُحبَّ إذا لم يُطلَبِ اعتَرضا

وكُلُّ مَن جاورَ البيتَ الحرامَ يُرَى

لقاؤه مَرّةً في العامِ مُفتَرَضا

فاشْدُدْ يدَيك أدام اللّهُ جودَهما

بمُطْلَقِ الغَرْبِ ما أَمضَيْتَ منه مضَى

لا يَزْدهي بمديحٍ فيكَ يُبدِعُه

وإن أَدَلَّ فبالوُدِّ الّذي مَحَضا

وابلُغْ به من يَفاعِ المَجدِ مُشتَرَفاً

واغضَبْ له من صُروفِ الدّهرِ مُمتَعِضا

فاسْعَدْ بعِيدٍ أتَى والشّوقُ يُعجِلُه

إلى تَناصُفِ هاتيكَ العُلا غَرَضا

واخلُد لتُرعَى بك الآمالُ آمِنةً

ما جَمّ من وَرَقِ الدُّنيا وما بَرَضا

لا يُحرَمَنَّ مُناهُ منك ذو أَملٍ

إن كان حَقُّك فَرْضاً عنده فقَضى

فاللّهُ يَضْمَنُ أن يُجْزَي بجَنّتهِ

سَعْيُ العبادِ إذا قاموا بما فَرَضا

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني

تصنيفات القصيدة