الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

ليهنك لبس المهرجان وإن غدا

عدد الأبيات : 82

طباعة مفضلتي

ليهْنك لبس المِهرجان وإن غدا

تُهنِّئه الدنيا بأنك لابسُهْ

وأنك ركنُ الملك والملِك الذي

تطول مقاييسَ الملوك مقَايسُهْ

ويَهنيك أنْ لم يبقَ مجدٌ ترومُهُ

يداك وأن لم تبق كف تُنافسه

وأنك ذلَّلت الخطوبَ فأذعنتْ

لعزِّك حتى ليس خَطْبٌ يمارسه

فقد فرَّغتك الشاغلاتُ وحبَّذا

فَراغُك من أحكام ما أنت سائسه

ألا فالْهُ لهوَ المرء مثلِك إنهُ

مُدارسُ علمٍ لا تُملُّ مَدارسه

تظل له من ذاتِ نفسك قادِحاً

وليس يُداني قادحَ العلم قابسه

وبذل كريم ليس ينفكُّ مالُهُ

كرائمُهُ مبذولةٌ ونفائسه

لكل جليسٍ من يديه ووجهه

يدَ الدهرِ يومٌ غائمُ الجو شامسه

تطيب مَجانيه جميعاً وإنما

تطيب مجاني من تطيب مَغارسه

وأخذٌ بحظٍّ من سماعٍ إذا التقى

وهمُّ الفتى المهموم ماتت هَواجِسه

تسيرُ بك الدنيا إذا ما تَنازَعتْ

نَواطقُة ألحانَهُ وخوارسُه

وشربُ شَمول أطلق اللَهُ شُربَها

تَدين لها بِكرُ الشباب وعانِسه

من الكُمت ألواناً ولولا اصْطِلاؤها

عَلاها قميصٌ أصفر اللون وارِسه

وقَتْ شاربيها النارَ عمداً بنفسها

وما كان جسمُ النار جسماً تُلامسه

فقاست أليمَ الطبخ يوماً مُكَمَّلاً

يخالسُها أجزاءها وتُخالسه

فلما تجلَّى حِلُّها من حرامها

وزالت عن المرتاب فيها وساوسه

ثوتْ في قَرار الدَنِّ حتى تهلهلت

ملابسُها عنِ صَفْوها وملابسه

وزُفَّت إلى شَربِ كرام فمهْرجوا

بها مِهْرجاناً غاب عنه مَناحسه

وحَفَّته في أفقِ السماءِ سُعودُهُ

وفي الأرض خِيريَّاته ونَراجسه

لدى ملك يأبَى له الزَّهوَ قَدْرُهُ

ويُزهَى به جُلاسه ومَجالسه

له راحة لو مستِ الصخر أنبعت

جوانبُه ماءً وأورق يابسه

إذا وجهُهُ أو رأيُهُ أو فَعالُهُ

تبلَّجن فيِ ليلٍ تجلّتْ حَنادِسه

رأى الراح قدْماً والسماع ولم تزل

مسدَّدةً آراؤُهُ ومَحادسه

شعارَين يهتز الكريمُ عليهما

كما اهتزَّ صَمْصَامٌ جلتْه مَداوِسه

إذا خامرا نفسَ امرئٍ زيّنا له

سدى أو ندى أو وِرْدَ موتٍ يُغامسه

فضافاهما للمجد لا أن نفسهُ

إذا لم يَهزّاها لمجدٍ تُشاكسه

وما البحر أضحى والبحارُ شعابه

ولا الليث أمسى والليوثُ فرَائسه

بأصدق جوداً منه في كل أزمة

وبأساً إذا ما الروْع ريعت فَوارسه

به أعتب الدهرُ المذمَّم أهله

فأثَّل راجيه وَأَمَّل يائسه

غدا يَبتني ما يبتني ولو اكتفى

كفاه من المجد الحديثِ قَدامِسه

ولكن أبَى إلا فعالاً بمثله

إذا ضاع إرثٌ يحرس الإرثَ حارسه

فيا قائل السوءَى لتُطفِئَ نورَه

وذلك نورٌ لا تبوخ مَقابسه

نَل النجمَ فاطمسْه وأنَّى تنالُه

ولو نلتَه ما خلتُ أنك طامسه

أبا أحمدٍ لا زال مجدك غُصّةً

لكل حسودٍ أو يواريه رامسه

حلفتُ لأنت القائلُ الفاعل الذي

غدا المجدُ محبوساً عليه حَبائسه

يراك إذا نال النظيرُ نظيرَهُ

نَظيرك مثلُ النجم عَزّت مَلامسه

رأستَ بني الدنيا وليس بنازل

بمنزلةِ المرؤوس من أنت رائسه

ألا رُب قول قلتَهُ يا ابن طاهرٍ

أصاختْ له بعد الهدير قَناعسه

وفعل رآك الفاعلون فعلتَهُ

فأغضوا وكلٌّ ذلُّه لك عاكسه

لك القولُ يستحيي ذوو القول بعدَهُ

من القول حتى يترك النبسَ نابسه

إلى الفعل يَستخذي له كل فاعل

من الناس حتى الأصيد الرأس ناكسه

عجبتُ لمن أهدى لك الشعرَ تحفة

ومن قال شعراً وهو دونك خانسه

أيهدي إليك الشعرَ بعد سماعِه

بشعرِك إلا غافِلُ القلب ناعسه

وأنت الذي يدعو الكلامَ بقدرةٍ

فيأتيه وَحْشي الكلام وآنسه

أذلك أم يَزويه عنك وقد رأى

عطاياك إلا عاثرُ الجَدّ ناعِسه

وأنت الذي سحَّ النوالَ بَنانُهُ

كما سحَّ غيثٌ ضاحك المزنِ راجسه

تكاد تعوق الشعرَ عنك عوائق

إذا قاسه يوماً بشعرك قائسه

فيَحدو به أنْ ليس للحمدِ بائع

يراك وإن أغْلى عليك تُماكسه

تقول الذي ينهى عن الشعر أهلَه

بكل طِرازٍ لم يَرَوا ما يجانسه

وتفعل ما يدعو إليه فكلُّهم

يكرُّ عليه عائداً فيُلابسه

فتركهُمُ إياه إقرار أنفُس

بأنك دون الإنس والجن فارِسه

وقولُهُمُ إياه شكر تقودهم

إليه بفعل لم تَشنْه خَسائسه

عوائدُ عُرْفٍ يوقظ الشكرَ نخسُه

وكيف ينام الشكرُ والعرفُ ناخسه

على أنهم مَنْ أحسن القول منهمُ

فمنك ومن آثارِك امتار هاجسه

تعلَّم ما قد قلتَهُ وفعلتهُ

فأهدى جنى الغرس الذي أنت غارسه

لئن نَفِس الأعداءُ حظك إنه

لحَظّ جزيل لا يعنَّف نافسه

وإن بخسَ المُطْرون حقك إنهُ

لحق ثقيل لا يُظلَّم باخسه

فعِش أبداً في خفض عيشٍ وغبطةٍ

وإن رَغمت من ذي شقاقٍ مَعاطسه

ولا زلتَ في يوم ترنُّ قيانه

فكم لك من يوم أرنت معاجِسه

ومعتركٍ ضَنْكٍ تلوح زِجاجُهُ

وتبرقُ هِنْديّاته وقوانسه

شهدت فضلَّت تُرّهاتُ أخي المُنى

وقفَّت على آثارِهن بسَابسه

أتاك مُدِلّاً والحمام يسوقُهُ

ولم تنهه من قالِ سوءٍ عَواطسه

يراني بعينٍ من غرورٍ وباطلٍ

مُنىً من ضلال والمنايا تشاوسه

فلا قال والخَطِّيّ حولك بينه

فوارسه كالغيل فيه عَنابسه

بأرعنَ جرّارٍ عِراضٍ صدورُهُ

كثافٍ نَواحيه ضخام كَرادِسه

فذيدت أمانيه وهنّ خَوامِسٌ

وقد كان ممّا لا تُذاد خوامسه

وأُورد حوضاً ظلَّ عقد وروده

يجود بماء النفس والبحر قالسه

وكم من مُنى حالَ المَنَى دون نيلها

وظنِّ مدلٍّ خاس بالعهد خائِسه

ومَنْ قامَسَ الحوتَ الملجِّج مرةً

ليقمِسَه فالحوت لا شك قامسه

وكم لك من ضِدٍّ أذاقتْه حتفَهُ

مناصلُ موتٍ ناجزٍ ومَداعِسه

وآخر نجّاهُ نجاءٌ موائلٌ

إلى عُقر دارٍ أنت لا شك جائسه

عُنيتَ بأخلاق الزمان تروضُها

ليبأسَ عاتيه ويَنعم بائسه

منحْتُكَها كالروض جادتْه دِيمةٌ

بكت فوقه حتى تضاحك عابسه

غدا بين مفتوقٍ وبينِ مكمَّمٍ

مُبَرْنَسةً قُسَّانه وشَمامسه

يُصلِّي لقرن الشمس ميلاً رؤوسه

إليها إذا لم يتبع الريحَ مائسه

فطوراً تُولِّيه المجوسَ صلاتُة

وطوراً توليه النصارى بَرانسه

على أنه يُثني على اللَه نشْرُهُ

بنُعمى غدٍ إذ لم يزل وهو غارِسه

حَياً جاده وَسميُّهُ ووليُّهُ

يراوحه طوراً وطوراً يُغالسه

إذا لم يُصِبه وابلٌ طلَّه الندى

فغادَره خُضراً حِساناً طنافسه

وكنتَ إذا ما الشعر صينت بناتُهُ

حقيقاً بأن تُجلَى عليك عرائسه

تقاعس شعري عن سواك فسقْتُهُ

إليك فأضحى مُعْنِقاً مُتقاعِسه

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

تصنيفات القصيدة