الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

يا قلب طِر من وكنة الأحشاء

عدد الأبيات : 98

طباعة مفضلتي

يا قلب طِر من وُكْنة الأحشاءِ

نحو الحبيب الفاخر الأزياءِ

وردِ المنازلَ حيث مورد حبه

تجد الحياة بتلكمُ الأحياء

اشعَف به فهو السناء ولا تَمِل

نحو السواء تُحَفُّ بالأسواء

فجماله نفس الجمال وإنما

من حسنه قد كُوِّنَ ابنُ ذُكاء

يا تائقي السراء ذوقوا وانظروا

ما أطيب المولى لقلبٍ هاء

من ذاق خمرة حبه الطوبى فقد

ساغت له الطوبى بطيب هناء

إذ فاز بالأفراح طرّاً قلبه

بل حاز أسنى عفّةٍ بِطِلاء

يا قلبيَ انهل من مناهله فيا

لَتُقاك أن تُغرَى بذي الصهباء

يا آل ربعِ أحبتي حتى متى

أُمسي كئيباً عن حماكم ناء

لي عندكم فكرٌ يُسَرُّ بلَمْحِكم

ولكم لدي الذكرُ ضمنَ بكاء

لولا تردد فكرتي في داركم

كنت الفريد بشقوتي وتوائي

سقياً لولهانٍ ثوى في جمعكم

فهو الغنيُّ المالكُ السراء

من لي بأن أحظى بكم كي يرتوي

من عذب موردكم شديد ظمائي

لأسلمنَّ على ديار أحبتي

حيث اجتباءُ مآربي وحبائي

يا زائراً ذاك المقام أقم على

أطلاله واشرح به أهوائي

وانشر أُوار الحب من صبٍّ طوى

ضمن الحشى شغفاً عظيم ذَكاء

بل أهدِ مني مهجتي مع فكرتي

مع فطنتي وإرادتي ونَهائي

نحو الحبيب الحلو سلّاب القُوى

فهو القويُّ المالكُ الإقواء

قلبِ الإله يسوعَ أسنى بهجتي

أو بغيتي أو منيتي وهنائي

يا قلبَ ربي أنت غايةُ مأربي

يا ربَّ قلبي أنت كنز غِنائي

يا لجة الجود الإلهيِّ الذي

أغنى الورى بسوابغ الإعطاء

من فضلك الفياض فاض خلاصُنا

فاظَ العداةُ لفائضِ الآلاء

وأرقت فينا رائق النعمى لذا

راق الغرام بروقك المُترائي

وبذاتك الكبرى أَجدتَّ فيا له

من كِبر جودٍ فائقِ الآراء

يا عرشَ حكمةِ مبدعِ الأكوان من

بعلاه حارت حكمةُ الحكماء

من فهمك الأملاك فازت بالحجى

وبفقهك احتكمت أُلوا الأنباء

إذ كنت مدرسة العقول ودرسها

تبّاً لعقل عن علومك طاء

تصبو إليك عقولنا وقلوبنا

ويلذ منها فيك كلُّ سَباء

فهي الحديد وأنت مغناطيسها

بل أنت شمسٌ وهي كالحرباء

إذ كنت أنت جمالها وكمالها

ونعيمها النافي لكلِّ شقاء

سُقياك يا يمَّ العذوبة والهنا

خِدرُ الإله الفائقِ السراء

فجهنمٌ لو حل فيها قطرةٌ

من طيبك ارتدت نعيمَ سماء

هذا وعن إثمٍ غدوتُ معذَّباً

بِكلومِ حزنٍ مازقِ الأحشاء

متأسفاً بل لاهفاً بل ذارفاً

عني دموعَ الحزن مثلَ نِهاء

فإلام لا أسلو بحبك مهجتي

وأراك في حبي سَفيكَ دماء

يا أيها الحمَلُ الوديعُ المرتضى

وذبيحة الغفران والإرضاء

يا أيها المرعَى الخصيب المُبتَغَى

والراعِيُ الموصوفُ بالإرعاء

يا أيها الخَتَنُ البهي المشتهي

يا سالب الألباب والأهواء

ها أنت يا حبي جميلٌ بارعٌ

في حسنه بل رائعٌ ببهاء

عنقودُ كافورٍ وزهرةُ بقعةٍ

تفاحةٌ في غيضةٍ حسناء

هو ذا حبيبي أبيضٌ في أشقرٍ

اخترتُهُ من بين أهلِ مَلاء

ذهبٌ سنيٌّ رأسُه عيانه مِثْ

لُ حمامتين على مجاري الماء

ساقاه ساريتا رخامٍ جوفه

عاجٌ ترصع بالعقيق الهائي

أما يداه فعسجدٌ وشفاهه

من سوسن والحَلقُ كالحلواء

محبوبي الباهي شهيٌّ كلُّه

فلذاك أهجر في هواه حِمائي

قسماً بنات القدس إن مر الحبي

ب بكن صِفْنَ له احتكامَ ضَنائي

إن المحبة أضعفتني فهي لي

موتٌ ألذُّ من الحياة لباء

أَقرينتي أنت الجميلة كلها

لكن جمالك من سناء بهائي

كالبدر لا يحوي الجمال بذاته

إلّا كما يحظى بنور ذكاء

فإذا ثبتِّ ظلِلتِ فيَّ جميلةً

أو لا غدوتِ كقِرمَةٍ دَكناء

نحوي هلمي يا عروسة من ذرى

لبنان كي تحظَيْ بمجد زَهائي

أختي العروسةَ ها بإحدى مقلتي

كِ جرحتِ قلبي بل أرقتِ دمائي

في قلبك الظامي ضعيني خاتماً

كي ترتوي بل تُفْضلي بظَمائي

فمحبتي لَقَويَّةٌ كالموت بل

كجحيم نارٍ جلَّ عن إطفاء

إذ دونَها كابدتُ كلَّ مشقةٍ

حتى الصليبَ فلا تني بوفائي

ماذا تفيني غيرَ أن تتوقدي

بمحبةٍ نحوي بغير فناء

إن لم تكافي الحب حبّاً مثله

لا تستطيعي الدهرَ حسنَ وفاء

إن كنتِ قاصرةً بذا فتشدَّدي

بزُهور بستاني وذكر حبائي

وابغي الدنوَّ من الأَتونِ المُصطلي

أي قلبيَ المشحونِ كلَّ ذَكاء

تَجدي المُنى حقّاً بذيّاك الحمى

بل يَذْدَكي الحبُّ الوضي بِرجاء

إني أنا القلب الإلهيُّ الذي

صفُّ الملائك ساجدٌ بإزائي

من شاء فوزاً فليجئ أَخَويَّتي

سَعداً لجاءٍ حلَّ تحت لوائي

وليكتسِ الثوبَ الذي أَلبستُه

لعروستي أخَويَّتي بحِجائي

وليشتهرْ بعبادتي مستمسكاً

قانونيَ المرسومَ من تلقائي

أخويَّتي بستانُ زهرٍ مُبهجٍ

يحوي طيوبَ البِرِّ والتقواء

فلأنزلنَّ إلى بُسيتينٍ حوى

أحواضَ طيبٍ إنَّ فيه عزائي

كي أحتوي مُرّي وأريي أغتذي

بل أستقي خمري ولَبْني البائي

يا إخوتي وأحبتي فتجرَّعوا

من خمرتي ثم اسكروا بهوائي

كي تنشروا أخويَّتي فلأنها

مجدي وفيها أحتوي نعمائي

حتّام يا رب القلوب تحُضُّني

فجمالك الزاهي أذابَ قوائي

هل شقوتي تُفضي إلى هذا العمى

حتى إِخالَ النورَ كالظلماء

مُستنكفاً أني أكون أخاك يا

ليت انقراضي قبل ذا وفنائي

سعدي ومجدي أن أحبك يا مُنى

قلبي وأهوى في هواك شقائي

بل كيف لا أَصْلَى بحبك فانياً

وأرك في حبي أتُونَ صلاء

يا قلبَ ربِّي خذ قواي ولَظِّني

بشواظِ حبك كي أحوز هنائي

يا قلب ربي خذ هواي فلم أشا

لي من هوىً لم يقتضيك إزائي

ربَّ السخاء إليك أشكو ذِلَّتي

أنت المغيث وبحرُ كل عزاء

يا شمسَ برٍّ لا غروبَ يَشينُه

أشرِقْ سناكَ بظلمتي الدجناء

لما تجلى للأنام جلالُك ال

زاهي جلا الألبابَ خيرَ جلاء

وهب الخلاصَ لكل معتمدٍ به

وأبادَ ظلَّ الظلمة الدهماء

مرآةُ شخصِ الآبِ صورةُ مجدِه

ومقرُّ روحِ القُدسِ ذي الآلاء

يا سابغَ النَعماء بل يا سابغَ ال

نعماء بل يا سابغ النعماء

يا هيكلَ اللاهوت بل يا جَنَّة ال

ملكوت بل يا غِبطةَ السعداء

فلنَحمدنَّ علاك مع آل العُلى

أنَّى وحمدُك فوقَ كلِّ ثناء

لَنُمجدنَّ تقاك يا نهجَ الهدى

ونَمُوذجَ الأبرارِ والصلحاء

ولنَمدحنَّ زهاكَ يا ربَّ السنا

ثم الرضى والاتضاع الهائي

لنُسَبِّحَنَّ نقاك يا خبزَ الهنا

قوتَ الجياعِ وقوةَ الضعفاء

لنُعظمنَّ سَخاك يا رِيَّ الصَدى

رَحضَ الخَطاء ورافعَ الأرزاء

وليَسجُدَنَّ لديك يا ربَّ الورى

ما في السماء وفوقَ كل ثراء

حتامَ أعنو في صفاتك مُولعاً

وصفاتُكم ربّي تفوقُ عَنائي

فأتيتُ نحوك ذا عُيوبٍ فاتراً

مستوعباً شرّاً وكلَّ أَذاء

مستنصراً مستمطراً مستغفراً

من حِلمك العافي رجوعَ السائي

مستشفعاً تلك التي من شأنها

ألّا تني بإغاثة الفقراء

أي مريمَ البكرِ التي بك قد أتت

فهي الملاذُ وفوزُ ذي الغُمّاء

قد خلتُ قلبَ البكر من قلبِ ابنها

ضِمنَ السماء كغُرَّةٍ وذُكاء

وفؤادي الشاكي النوى شوقاً توى

ليس الدواءُ سوى سرورِ لقاء

حاشا لقلبٍ جاهُما مستمطراً

أن يمنعاه كمثل قلبٍ ناء

بل يَجتني الإنعامَ طرّاً من سخا

قلبِ الحبيب الفاخرِ الأزياء

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة