الديوان » العصر الأندلسي » ابن أبي الخصال »

رزئت بمن لا أملك العين بعده

عدد الأبيات : 40

طباعة مفضلتي

رزئت بمن لا أملك العين بعدهُ

ففي كلِّ ما حين لها عبرةٌ تترى

وإنّي لأنساهُ ذُهولاً وحَيرَةً

وما ذلك النّسيان إلا من الذكرى

عدمت أبا مروانَ حين وجدتُهُ

ولم تبقَ في يُسرى خلائقه عسرا

وحين أقرَّ العينَ شرخُ شبابه

وتمت به النُعمى وحفت به البشرى

وكنتُ إذا أيقظته لملمةٍ

أخذتُ الكرى عن مقلةٍ منه لا تكرى

وطارَت به الجُلَّى إلى كل هَيعَةٍ

واثباجُها تُطوى وأوداجها تُفرى

ومن قبلُ ما خاضَ البحارَ مُصَمّماً

إلى البيتِ حتى استلأَم الرّكنَ والحِجرا

وقفى إلى قبر الرسُول بزورةٍ

فَقَضى ووفى الحقَّ والفَرض والنذرا

وعفر في تلكَ المعالم وجهَهُ

سجوداً لمولىً يملك الخلق والأمرا

وقد كنتُ في تلكَ السبيل احتسبته

وأضمرت يأساً عن لقائي له صبرا

فرُدَّ على رغم الخُطوبِ مُسَلَّماً

وقد حازَ من آثاره في التُّقى فَخرا

وزشدت به وجداً كما ازدادَ غِبطةً

وحُزتُ إلى عُمري بريعانهِ عُمرا

وطوَّلتُ آمالي رجاءَ بقائِهِ

فأسفَر ذاك الطُّول عن مُدّةٍ قَصرا

وأسلمني في كُربَة مُدلَهِمّةٍ

نزلتُ ولم أملك على حُكمها قسرا

تقسّمني ما بين حَيٍّ وميّتٍ

فمن مَعشَرٍ قَتلى ومن مَعشَرٍ أسرى

وكان ظهيراً لي عَليهم وفيهمُ

أشدُّ به أزراً وأحمي به ظهرا

فهوَ عند فقده فقد من مضى

وصارَت به الكُبرى التي كانت الصُّغرى

وما ماتَ إلا بعدَما مات قِرنُهُ

ولاقَاهُ من هَبَّاتِهِ الضَّيغمُ الأضرى

فَراه بِيُمناهُ بصارمِ نفسهِ

وخلّى على كُرهٍ لصاحبهِ اليُسرى

وما زالَ أقران الظهور مُقاتلاً

وكيفَ تَوقّي المَوتِ من حيثُ لا يُدرى

وما ساقَ ذلكَ الحَتفَ إلا شهادةٌ

تركتَ بِها في كُلِّ مَنزِلَةٍ نَشرا

تَعوّضتَ من فانٍ بباقٍ مُخَلَّدٍ

وعَوّضتني منكَ التَّأسِّيَ والأَجرا

فَمِن مَنزِل البَلوى إلى منزِل الرِّضى

ومِن عَرَض الدُّنيا إلى جَوهر الأُخرى

سأصبر إلا عن سَوابقِ عَبرَةٍ

أَرى أبداً جَفني بتصريفها يُغرى

وما عذَّبَ الرَّحمنُ بالدَّمع باكياً

يُداري بدَمع العَينِ في قَلبِه جَمرا

وما مَفزَعُ إلا إلى البُكا

وكُل حزازاتِ القلوب به تُقرا

وفي وجد يعقوبٍ بيوسفَ أُسوة

فلا تَعذِلُوني اليَومَ في عَبرَةٍ تُذرى

وكُلُّ فتىً قد كانَ للعينِ قُرّةً

سَيَملَؤها حرّاً كما مُلئت قُرّا

سَقَت جدثاً واراكَ كُلُّ غَمامةٍ

تُكشفُ عن أرضٍ حللت بها الضُّرا

وحيّاك عني كلُّ رَوحٍ ورَحمَةٍ

وما شئت من نَورٍ ومن رَوضَة خَضرا

ويا كبدي هلا تفطرتِ حَسرَةً

ويا أدمعي هلا جريتِ له حُمرا

ويا فرطي إنّي ذخرتُك لي غنىً

ليومٍ يَعُودُ الأغنياءُ به فقرا

ويا مُودعيهِ في الثرى هل علمتمُ

بأن لهُ في غير أرضِكُم قَبرا

نعم كُلُّ قَبرٍ قبره فإذا بَدا

قرأتُ عليه من تَذكُّرِه سَطرا

وإن لم أزُره في الحياةِ ورُبَّما

فَموعِدُنا المَضرُوب نَجعَلُهُ الحَشرا

وقال لي الإخوانُ هلا نقلتهُ

وما نقل من بَوَّأتُهُ القَلبَ والصَّدرا

أأقربُ من فكري وذكري وخاطري

فأمضي له ظهراً وأحدُو به سَفرا

أعُقُّ بها أوصالهُ لو فعلتهُ

وأرهقُهُ في غيرِ محمَدةٍ عُسرا

وأنصِبُ من رَدَّ الإلهُ حياتَه

وأوسَعها لمّا طوى عُمرَهُ نَشرا

ألا إنني استَودَعتُهُ وحدَهُ

وحَسبي بِنَصرِ اللَه في ظُلمَةٍ نَصرا

معلومات عن ابن أبي الخصال

ابن أبي الخصال

ابن أبي الخصال

محمد بن مسعود بن طيّب بن فرج بن أبي الخصال خلصة الغافقي، أبو عبد الله. وزير أندلسي، شاعر، أديب، يلقب بذي الوزارتين، ولد بقرية (فرغليط) من قرى (شقورة) وسكن قرطبة..

المزيد عن ابن أبي الخصال