الديوان » مصر » أحمد الكاشف »

مصاب الحمى والشعب فيك أم الحرب

عدد الأبيات : 50

طباعة مفضلتي

مصاب الحمى والشعب فيك أم الحربُ

يعاني الحمى فيها الشدائدَ والشعبُ

وما الرعب من نار العدى وحديدهم

ولكنه من هول فرقتك الحرب

تلقَّيتُ أنباء الشفاء مريحة

فلم أمس حتى جاء في الخبر الصعب

فنحت وناح الطير حولي وماج بي

مكاني وغاض الماء والتهب العشب

وأصدق باك في النوائب من بكى

على شامخ يهوي ومؤتلق يخبو

طلبت بجد الربض والوثب غاية

فلما انقضى الأمر استوى الربض والوثب

ونازعك الجنبين شغلك والضنى

فهذا له جنب وهذا له جنب

وقاسيت جهد الدفع والجذب فيهما

فلم تسترح حتى انقضى الدفع والجذب

ذهبت شهيد الداء بعد معارك

طوالٍ وما فيها طعانٌ ولا ضرب

وكم حملت تلك الجوانح لوعةً

وأنت بعقبى قومك المغرم الصب

وكيف يصيب الطب في الناس علة

وقد خانهم في دفع علتك الطب

خلا منك بيت المجد والنيل والندى

ونادي المعالي أم خلا الشرق والغرب

وضمك داج في ثرى الأرض موحش

وكم ضاق عن آمالك العالم الرحب

وإنيَ من مثوى الهدى وهو قبلتي

قريب وهل يغني من الصامت القرب

أطوف به مستروحاً من عبيره

وقد صبَّحته من بواكرها السحب

فرائض من أرضَى العباد صنيعه

وكرَّم في الدنيا مكانتَه الرب

ولو كان جثمان الكريم كذكره

لما نال من جثمانك الطاهر الترب

أحنُّ إلى الماضي وما هو راجع

وقد سار بي فيما أحاذره الركب

كأنّيَ حادي الظاعنين يمرّ بي

بلا رجعة سربٌ ويتركني سرب

صبرت على رزئي وخطبيَ فيهمُ

وما هان فيك الرزء عنديَ والخطب

ومن لي بأن ألقى محياك ثانياً

وقد قامت الأستار دونك والحجب

تعللت بعد الأربعين بسلوة

فمرت وأشجاني كما هي والكرب

وقد جاء للذكرى الوفيون والتقى

شيوخهم الأبرار والفتية النجب

يفيضون بالنجوى حناناً ورحمة

إليك وما النجوى ضجيج ولا صخب

تواصوا بما استرعيتهم وهو بيتهم

إلى الأبد السعيُ الموفَّق والدأب

فخذ من دموعي ما تشاء ومن دمي

فعيني كما عاهدتها لك والقلب

وإن كان عندي الآن من حقك الجوى

فقد كان من حقي بك التيه والعجب

وساير شعري عدل حكمك والتقى

على الخير ما تصبو إليه وما أصبو

وما عرض الدنيا لديك أمانتي

ولكنه الوجدان عندك واللب

وأنت الذي سار الأعزة حوله

فلا حزمهم يكبو ولا رأيهم ينبو

وأيدك الأحرار من كل جانب

بعزم الأولى شابوا وعزم الأولى شبّوا

وكم بطل أغنى عن السيف رأيه

مضاء وأغنت عن كتائبه الكتب

ولو شئت في واديك من بأس أهله

لرد العوادي نجدة دونه هبّوا

ولاسمك وهو اسم الكرامة ما جرت

به في مجاريها الكواكب والشهب

ومن كان في كل الضمائر خالداً

فما تُعْوِزُ الخلدَ التماثيلُ والنصب

وكل زعيم سار سيرك في الحمى

فآثاره أشياعه فيه والحزب

ومن يترك الدنيا وكان تراثه

محامده للعقب ضاعفه العقب

ومن لم تمكنه من المجد نفسه

فليس له إلا على نفسه العتب

ومن لم يكن للملك بالروح فادياً

فليس له فيه طعام ولا شرب

وما الجدب فقدان الحمى ثمراته

ولكنّ فقدان الرجال هو الجدب

تكاد تشب الحرب في الأرض كلها

فلا يابس يبقى عليها ولا رطب

سباعاً يسير الناس فيها ضوارياً

ففي جهةٍ ليثٌ وفي جهة ذئب

يريدونها نهباً وهم يهدمونها

وليس سوى الأطلال بينهم النهب

فليتك يوم الصلح بين شهوده

لتمحوَ بعد الحرب ما جنت الحرب

ويكمل للوادي من الدهر حقه

قضاؤك فيه لا السؤال ولا الغصب

وإن كان ذنب الدهر أنك غائب

ففي الحاضر الموجود قد غفر الذنب

وحسبك بعد الطيبات خلائقاً

شقيقاك والنجلان والأهل والصحب

تركتهمُ للخير بعدك أخوةً

تؤلِّفهم فيه الرعاية والحب

وكل مكان بينهم لك أجملوا

جميلك فيه عامريهمُ خصب

سجايا كرام يعملون وما لهم

سوى عزة الأوطان غنم ولا كسب

معلومات عن أحمد الكاشف

أحمد الكاشف

أحمد الكاشف

أحمد بن ذي الفقار بن عمر الكاشف.شاعر مصري ، من أهل القرشية (من الغربية بمصر)، مولده ووفاته فيها قوقازي الأصل. قال خليل مطران: الكاشف ناصح ملوك، وفارس هيجاء ومقرع أمم،..

المزيد عن أحمد الكاشف