الديوان » مصر » أحمد الكاشف »

وداعا يا أشد النازلات

عدد الأبيات : 74

طباعة مفضلتي

وداعاً يا أشدَّ النازلاتِ

وأهلاً بالسعود المقبلاتِ

كفانا العام أنا منك صرنا

حديثاً يملأ الدنيا عظاتِ

تلوح لنا النجاة فإن هممنا

رأينا حائلاً دون النجاة

فما جند البوير به أحاطت

جنود الإنكليز مسددات

وقد ضاق الفضاء به وأعمى

نواظرَهُ دخانُ المرعدات

فمن وجد الفرار من العوالي

تَلَقَّته صدور الصافنات

ومن يخضع فمركبه إليها

ظُبَىً فوق الدماء الجاريات

بأكثر من بني مصر شقاء

لدى نوَبِ الوباء المزعجات

ولو غير الوباء انتاب مصراً

لآثرنا السكوت على الشكاة

ثلاثة أشهر يسطو عليها

ويذهب بالنفوس الغاليات

ألوفٌ لو بعثناها لحرب

لعادت بالغنائم ظافرات

ولو لبثت بشتى البيد عاماً

لماجت كالبحار الزاخرات

كأني بالوباء رأى ضماناً

عليه نقض تدبير الدهاة

فلم نفقد زمان الجهل ما قد

فقدنا في السنين المشرقات

وكم ليل قضيت حليف وجد

وسهد في الضراعة والصلاة

فإن أغفيت نبَّهني مخيفاً

صياح الثاكلات الباكيات

فمن أمٍّ مضى عنها بنوها

ومن أم أصيبت في البنات

وهذا كان لي جاراً وفياً

وكانت تلك إحدى التابعات

فأحسب أنني في الظهر ميْتٌ

إذا أبصرت ميتاً في الغداة

وذي هوس يقول لقيت ليلاً

شياطين المنايا الدائرات

بأيديها سيوف لامعات

كلمع عيونها المتوقدات

فقلت لها انجلي عنّا فهبت

مروعة هبوب الذاريات

فكاد الأفق ينطبق انطباقاً

وكدت أرى الكواكب هاويات

وما حيل الحكومة في مغير

به وجد البلاد مرحبات

إذا ما طاردته في مكان

رأت منه مراس الراسخات

وكان له من الأهلين عون

عليها فهو موفور الثبات

تساوى عندهم نفع وضرٌّ

فما عرفوا الحماة من العداة

إذا لاقوا الأطبَّاء استعاذوا

وخاضوا في الظنون السيِّئات

وأبدوا للعقاقير احتقاراً

وظنوها سموماً مهلكات

وقالوا في منازلنا دعونا

فإن الموت في المستشفيات

وإن لنا من الدايات عنكم

غنى لعلاجنا ومن الرُّقاة

ولولا غفلة العلماء عنهم

لما تركوا الوساوس غالبات

إذا استهدوهم قالوا استعينوا

بصبرٍ واخضعوا للكارثات

ترى أن لا فرار من المنايا

فنهزأ بالدواء وبالأساة

وما العدوى وإن نقموا علينا

سوى وهْمِ النفوس الحائرات

وإن تك نقمة فقد احتمينا

بأسرار البُخاري الشافعات

وإن لنا على الله اعتماداً

وأسباباً إليه واصلات

وما زاد اشتعالي غير سخطي

على عمد القرى المستسلمات

فقد أثموا وما جزعوا لشكوى

ولا اعترفوا بتلك المخزيات

فما متمرد أردى بريئاً

وجرع أهله مرَّ الشتات

وما حذر القضاء وإذ دهاه

تلقّى منكراً حكم القضاة

بأظلم منهمُ وقد استخفوا

بتدبير الأطباء الثقات

فبعضٌ فارق الدنيا وبعضٌ

تقلَّب في السجون المظلمات

وبعض راعه منها نذير

بأن عقابه لا شك آت

وآخر مطمئن البال يلهو

برغد العيش لهو الغانيات

وكلهم شديد الغيظ يخفي

عداءً للجرائد والرواة

إلينا يا ابن توفيقٍ إلينا

حميد العود مرجوَّ الأناة

تداركت البلاد وساكنيها

وأسكنت القلوب الواجفات

وجلَّيت الهموم كما يجلِّي

ضيا الشمس الغيومَ الداجيات

فما راعي قطيعٍ غاب عنه

ليرتاد الوهاد المخصبات

فلما عاد أبصره شريداً

تمزقه الضواري في الفلاة

بأكثر منك إشفاقاً ورفقاً

وفتكاً بالعودي الجائرات

أعباس استعدت حياةَ قوم

يرون رضاك لذات الحياة

ولولا ظل عدلك ما استحبوا ال

بقاء ولا اتقوا شر الممات

نراك بأعين مُلئت ضياء

وأفئدةٍ بحبك عامرات

فنسلو عن أعزتنا وننسى

نفائس في المقابر مودعات

ويدفع بعضنا بعضاً هياماً

بركبك في طريق الصالحات

ونفترش الخدود معندمات

وكانت في نواك معصفرات

ذوى ما كان فيها من جمال

فلما عدت عادت ناضرات

أفضت قلوبنا بشراً فكانت

أدلته الوجوه اللامعات

وغرس القفر تسقيه فيحيى

ويشرق بالزهور الضاحكات

وإنّا غرس جدِّك في بقاع

بها لك أنْعُمٌ عددُ النبات

نما حتى امتلأت به رجاء

وبشَّر بالثمار الطيبات

فنعم ولاؤك الباقي ونعمت

صلاتك بالخليفة من صلات

رآها المسلمون مؤكدات

لقرب مناهم المتوقعات

لحفظ الملك سعيك في رضاه

ورهبة طامع في الأرض عات

وفي كل الجهات لك اطلاع

على ما شاء لا بعض الجهات

هنيئاً رؤية التاج المفدى

لعينك واختصاصك بالهبات

وما أعطاك إلا ما استحقت

صفاتك إنها أعلى الصفات

وخير الدهر أيام أتاحت

لخير خليفة خير الولاة

رجائي أن أرى النيلين يوماً

قد اتصلا بدجلة والفرات

وضمت راية السلطان حباً

قلوبَ شعوبه المتفرقات

وأصبح حوضه المورود مَلْقَى

وجوه عبيده المتناكرات

بهذا الفوز تبتهج البرايا

ويجمل بي نشيد التهنئات

معلومات عن أحمد الكاشف

أحمد الكاشف

أحمد الكاشف

أحمد بن ذي الفقار بن عمر الكاشف.شاعر مصري ، من أهل القرشية (من الغربية بمصر)، مولده ووفاته فيها قوقازي الأصل. قال خليل مطران: الكاشف ناصح ملوك، وفارس هيجاء ومقرع أمم،..

المزيد عن أحمد الكاشف

تصنيفات القصيدة