الديوان » العصر الايوبي » ابن سناء الملك »

صح من دهرنا وفاة الحياء

صحَّ من دهرِنا وفاةُ الحَياءِ

فليَطُلْ منكما بُكَاءُ الوَفاءِ

ولْيَبن ما عقدتُماه من الصبـ

ـرِ بأَن تَحْلُلا وِكَاءَ البُكَاءِ

وأَهِيَنا الدُّمُوعَ سَكْباً وعَطْلاً

وهَبا أَنهن مِثْلُ الهَباءِ

وامْنحا النَّوْمَ كلَّ صبٍّ ينادي

من يُعيرُ الكَرَى ولَوْ بالكِرَاءِ

ليست العينُ منكما لي بِعَيْنٍ

أَو تعاني حَمْلاً لبَعْضِ عنَائي

قد رماني الزَّمانُ منه بخطبٍ

أُفْحِمَتْ عنه أَلْسُنُ الخُطَباءِ

ودهاني بما أُعزَّى فيه

عن ثباتِي له وحُسْنِ عَزائي

صار منه يرى الغِنَاءَ نُواحاً

مسْمَعِي والنواحَ مِثْلَ الغِنَاءِ

وأَرَانِي حَالِي الأَنِيقةَ قد قلَّ

بعينيَّ ما بها من بهاءِ

وقضى لي بطولِ عُمْري نَحيبي

مذ قَضى نَحْبَه لديَّ رجائي

وأَناخت ركائبُ الهمِّ في قَلْـ

ـبي ولم تَحْتَشِمْ لطول الثَّواءِ

ثم آلت أَلاَّ تُفارِقَ رَبْعِي

وفِنائي إِلا عقِيبَ فَنائِي

صادَفَتْ منهلاً يَصُبُّ من العين

وناراً تُشبُّ في الأَحْشَاءِ

وأَلُوفاً لو فارقتْه لأَرْوَى

جفْنُه الأَرضَ من سماءِ الدِّماءِ

وإِذا كان يشتكي فُرْقَةَ البَلْ

وى فماذا يقولُ في النَّعْمَاءِ

أَيُّ عذرٍ لدهرنا إِذْ دَهَاني

بِمُصَابٍ أَلَمَّ فِيهِ دَهَائِي

وأَرانِي البلاءَ قد حلَّ منه

بالَّتي لو تَزَلْ تُزِيلُ بلائي

والتي بعضُ جُودِها لِي وُجُودِي

والتي من حِبائِها حَوْبَائِي

قَدْ تَيقَّنْتُ مُذُ غَدَتْ لِيَ أَصلاً

أَنَّني مُثْمِرٌ فُنَونَ العلاءِ

يعذُر الناس من تكونُ له أُمّاً

إِذا ما ازْدَهَى على الآباءِ

ويَرَوْنَ الصوابَ أَن تنسب الأَو

لادُ لا للرجال بلْ للنِّساءِ

هي من قدّمت لهَا حسناتٍ

تقتضي غَرْسَها رجاءَ الحِباءِ

أَتعبتْ كاتِبَ اليمينِ فكم أَغْـ

ـفَل إِثْبَاتَها من الإِعْيَاءِ

تُنْفِقُ العُمْر في اكتسابِ ثوابٍ

لمآبٍ لا لاقْتِنَاءِ ثناءِ

وترى مُشْتَري العلاءِ رخيصاً

ولَو أَنَّ العُلا بأَغلى الغلاءِ

ولقد خلَّفت أَحاديثَ تُغْني الـ

ـأَنْفَ عن نَشْرِ رَوضةٍ غنَّاءِ

خَفَرٌ مع ديانةٍ وذكاءٌ

في زاكةٍ وعفةٌ مَعْ سخاءِ

كم تمنت قُرْبَ المنيةِ دَهْراً

رغبة في الخباءِ والإِختباءِ

وأَرادت حجبَ الثَّرى ليتَ شِعْرِي

مَنْ دَعَا للثَّرى بهذَا الثَّرَاءِ

إِن عِلمِي بِمَا حوَتهُ من المجْـ

ـدِ قَضَى لِي بِبَسْطِ عُذْرِ القَضاءِ

غيرَ أَنِّي لا أَستقِل من الوَجْـ

ـدِ ولاَ أَسْتَقِيلُ مِنْ بُرَحائي

وإِذا أَعْرَضَ التصبُّرُ للقلـ

ـب أَبَى منَّةً عليَّ إِبَائِي

وإِذا أَبْطأَتْ ركائُب دمْعِي

فأَنيني في حَثِّها كالْحُداءِ

ليتَها بالوَفاةِ أَعْدَتْ حَيَاتِي

حينَ لمْ أُعْدِها بِنزْرَ بَقَائِي

كنتُ أَرجُو إِنفَاقَ مالِي عليْها

فغَدتْ أَدْمُعِي لها كالفِدَاءِ

لهْف نفسي عليكِ يا مَا بقلبي

منكِ يا طُولَ حسْرَتِي وعَنائِي

ليتَ شِعْرِي هل تعلمينَ بأَنَّ ابـ

ـنَكِ بينَ الورَى قليلُ الرُّوَاءِ

ذو نحيبٍ قاضٍ وحُزْنٍ غَريمٍ

وسَقَام عَدْلٍ وبِشْر مُرَائِي

وفؤادٍ ما بيْن هَاءٍ وميم

لم يَكُفَّا عنهُ بمِيمٍ وهَاءِ

شغلت قلبَه همومٌ عظامٌ

وخَلاَ سرُّه من السَّرَّاءِ

ليس ينفكُّ ساكباً عبرةً حمـ

ـراءَ في ذكرِ مِنَّةٍ بيْضاءِ

فهْوَ في الميِّتين يُحْسَبَ حَقّاً

وَمَجازاً يُعَدُّ في الأَحْيَاءَ

حلفَ الصبْرُ للفؤادِ يميناً

أَنَّهُ لاَ لِقاءَ حتَّى اللِّقاءِ

فَتَحَقَّتْتُ أَنَّ مَا أَصْدَأَ الصـ

ـد من القلبِ مالَهُ مِن جِلاءِ

وتعذَّبتُ بينَ يأْسٍ فَسِيحٍ

ورَجَاءٍ مُضَيقِ الأَرْجَاءِ

فمسائِي من السُّهَادِ صَباحي

وصبَاحي من السَّوَادِ مَسَائِي

وصدِيقي لِعذْلهِ كعَدُوِّي

وَعَدُوِّي قد صار مِن أَصدقائي

كلُّ مَنْ فارق النَّعيم عليمٌ

أَن لاَبُدّ مِنْ لِقَاءِ الشَّقاءِ

كنتُ في جنةٍ فأُخرجتُ منها

واستعادَ العطاءَ ربُّ العَطاءِ

أَتُرَاني أَطعتُ إِبليسَ في الأَكْ

لَةِ معَ آدمٍ ومعْ حواءِ

ليسَ إِلاَّ السكوتُ والصبْرُ كُرْهاً

في أُمورٍ أَعْيَتْ علَى العُقَلاءِ

إِنَّ غَيْظِي عَلَى الزمانِ لَجَهْلٌ

هُوَ مثلِي يُصابُ بالأَزْرَاءِ

قد دَهَاهُ من فقدِها ما غَدا منه

قليلَ البهَا قليلَ الضِّياءِ

أَنتِ عِنْدِي أَجَلُّ مِنْ كُلِّ تأَبيـ

ـنٍ ولو صُغْتُ بالثُّريَّا رثائي

في ضَمِيري ما ليسَ يُبْرِزُ شِعْري

لا ولو كنتُ أَشْعَر الشُّعَراءِ

أَيّ عُذْرٍ في تركِ نفسي وقدْ عَيَّـ

ـتْ أَيَا قُبْح قَسْوَتِي وجَفَائِي

وإِذا ما دعوتُ قبرَكِ شوقاً

فبحقِّي أَلاَّ تُخيبي نِدَائي

هل دَرَى القبرُ ما حُواهُ وما أَخـ

ـفاهُ من ذلِكَ السَّنى والسَّنَاءِ

فلكمْ شَفَّ باهرُ النورِ منْهُ

فرأَيتُ الإِغضاءَ في إِغْضَائِي

فاحتفظْ أَيُّهَا الضريحُ ببدر

صرتَ من أَجْلهِ كمثلِ السَّمَاءِ

وترفَّقْ بهِ فإِنكَ تُسْدِي

مِنَّةً جَمَّةً إِلَى الْعَلْياءِ

أَنتَ عنْدِي لما حويتَ من الطُّهْـ

ـرِ يُحَاكيكَ مسجدٌ بِقُبَاءِ

لَكَ حَجِّي وهِجْرتي ولمنْ فيـ

ـكَ ثنائي ومدْحَتي ودُعائِي

وسلامٌ مني لَهُ النَّدُّ نِدٌّ

وتُرى مِنهُ كبوةٌ لِلْكبَاءِ

أُذْكُريني يومَ القيامة يا أُمّ

لِئلاَّ أُعَدَّ في الأَشْقِياءِ

واشفعِي لي فجنَّتي تحتَ أَقدا

مِكِ من غيرِ شُبْهةٍ وامْتِرَاءِ

فقريباً لاَ شكَّ يأْتيك عَنِّي

بقدُومِي عليكِ وفدُ الهَنَاءِ

عجّل الله راحتي مِنْ حَيَاتِي

إِنَّها في الزَّمانِ أَعظمُ دَائِي

وإِذا ما الحياةُ كانَتْ كمثل الدا

ءِ كانَ المماتُ مثلَ الدَّوَاءِ

معلومات عن ابن سناء الملك

ابن سناء الملك

ابن سناء الملك

هبة الله بن جعفر بن سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله السعدي، أبو القاسم، القاضي السعيد. شاعر، من النبلاء. مصري المولد والوفاة. كان وافر الفضل، رحب النادي،..

المزيد عن ابن سناء الملك

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن سناء الملك صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الخفيف


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس