الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

هي الريح قد هبت من الغرب صرصرا

هيَ الرّيحُ قد هبّت من الغَربِ صَرصَرا

تلبّدُ في جوِّ الشآمِ الكَنَهورا

تربَدُّ حتى احمرَّ واسودَّ فَوقها

فأمطَرها الشؤبوبُ أسودَ أحمرا

فما وقتِ الآطامُ حلساً دلهمَساً

ولا حَمتِ الآجامُ ليثاً غضَنفرا

رَعى اللهُ أرضاً أصبَحت بعدَ نَضرِها

سُجوناً وأرماساً لِشعبٍ تبذَّرا

حلاحِلُها المحشودُ فرَّ وقَبلَهُ

حمارِسُها المقدامُ خرَّ مُقَطّرا

لقد جلَّ رِزءُ المُسلمينَ برزئها

وقد حلَّ ما شقَّ الصّدُورَ وأوغرا

يرونَ مُرادي الخيلَ تدعَقُ تُربةً

عليها أميرُ المؤمنينَ تخفّرا

ولو حَدَست أجفانُهم وقُلوبُهم

لكانَ وربِّ الكعبةِ الحدسُ أيسرا

وهانَ عَليهم أن يموتوا فلا يَرَوا

أُفولَ الهُدى حَيثُ الحِجابُ تسرّرا

فيا ذلّةَ الإسلامِ والمُلكِ والتُّقى

وقد وطِئ الأعلاجُ خزّاً ومرمرا

وكيفَ يطيبُ العَيشُ للمُسلمِ الذي

يَرَى الدينَ عن أرضِ الشآم مُقَهقرا

فمِن نهرِ هُندوسٍ إلى النّيلِ نَعيُها

ومن بحرِ قزوينٍ إلى بحرِ مرمرا

له جَفَّتِ الجنَاتُ إذ بضَّ ماؤها

فما الحُورُ والولدان يُسقَونَ كوثرا

وزَحزَحَتِ القَبرَ الشّريفَ خُطُوبُها

وزَعزَعتِ البَيتَ العَتيقَ المُستَّرا

فأيُّ عِظامٍ في الثّرى ما تَقلقَلت

وأيُّ حسامٍ فوقَهُ ما تَكسَّرا

تباغَى عُلوجُ الرّومِ يَبغونَ قِسمَةً

لأرضٍ عروبٍ أنكَرتهم تَبرُّرا

وما بكَّةُ العُطمى تَبكُّ رِقابهم

ولا مُضَرٌ تدعو إلى الشام حِميرا

فتعساً لشَعبٍ خاملٍ مُتَملّقٍ

يؤلّه عِلجاً ظالماً مُتَجبِّرا

وسَحقاً لأرضِ عَفَّرَت هامَ أهلِها

إذا حلَّ فيها ثعلبٌ صار داغرا

فما شَعبُها شعبٌ ولا هيَ موطنٌ

وقد قيلَ للعاوي هُنالِكَ زمجرا

إِلامَ يُضامُ النّابهونَ بأمةٍ

تُطبِّلُ إن جاءَ الغَريبُ مُزَمِّرا

جنازَتُها عرسٌ وتَعذيبها دَدٌ

فقُل أُمَّةٌ هَذي تُباعُ وتُشترى

وأحرارُها أعداؤها وهيَ عَبدَةٌ

لئن أبقَت من سَيِّدٍ تَلقَ آخرا

لقد جَرَّمت أتقى بَنيها وغَرَّمَت

كِراماً بهم حِفظُ الأمانةِ غرّرا

ألستَ تراها تشتمُ الفَضلَ والنُّهى

وتسخرُ ممَّن لا يَعيشُ مسَخّرا

ولكن لها بالطَّيبينَ شَفَاعةٌ

فَهُم خيرُ أبدالٍ لخيرٍ تأخرا

تأنّثَ في أرضِ الشآمِ رِجالُها

وفي غَيرها الأُنثى تَسلُّ المُذكّرا

وأسيادُها زربيَّةٌ خَلفَ دائصٍ

وطاغيةُ الإفرنجِ صارَ المؤمَّرا

مَشى مَرِحاً فيها يُصعّرُ خَدَّهُ

فأنكرَ تحليلاً وحَلّلَ مُنكرا

وما انفكّ بينَ الرّفقِ والعنفِ مُدغِلاً

يُعبِّئُ للأحرارِ زنجاً وبربرا

وخافَ مِنَ القومِ اتحاداً وقوّةً

فَغرَّ وأغرى واستَجاشَ وسوّرا

ولمّا رآهم في التَّقاطعِ حَضَّهم

ولمّا رآهم في التّقاعُسِ شمّرا

لهُ شهوةٌ وحشيَّةٌ وضريبةٌ

صليبيّةٌ لكِنَّهُ قد تَستَّرا

فما كان أبغاهُ عُتِلَّاً مشرّزاً

بلحظٍ فرنديٍّ وقلبٍ تحجَّرا

لقد شهدَت مرّاكِشُ الفتَكةَ التي

لها ضَجَّتِ الأملاكُ والنَّجم غوَّرا

فحَرَّقَ مُجتاحاً وغرَّمَ ناهِباً

وقتَّلَ سفّاحاً وعاثَ ودمّرا

ففي المغربِ الأقصى وفي الشّام صَيحَة

يُردِّدُها ما في القُبورِ تَبَعثرا

كأنّ حُظوظَ المُسلمينَ لِتعسِهم

أعدَّتهُ جلّاداً لهم ومُسَيطرا

توالت على أرضِ الشآمِ وُلاتُها

فما حَمَلت أدهى وأقسى وأخترا

بَدَت منهُ فيها قسوةٌ همَجيةٌ

فنَفّر ذُهلولاً وسيداً وقَسوَرا

بأفتكِ جُندٍ راعَ أضعفَ أُمّةٍ

فما كان إِلا أزرَقَ العينِ أبترا

ومن قومهِ الصُّهبِ العَثانينِ زُمرَةٌ

حواليهِ كانت منهُ أطغى وأفجرا

مَلاحِدُ سِكّيرونَ للمالِ سَعيُهم

لهم قَرَمٌ بالبطنِ والفَرجِ حيّرا

فصبراً على استِبدادِهم واختيالِهم

لنأخُذَ عنهم ثم نُصبح أقدَرا

ألا رُبَّ شّرٍ كان للخَيرِ واقعاً

فأحسَنَ عُقبى مَن وعى وتفكّرا

تجرَّأَ طاغُوتٌ على غَزوٍ أُمّةٍ

وإرهاقِها حتى تذِلَّ وتَصغُرا

رأت منهُ تَقتيلَ العواطِفِ والمنى

فهانَ عَليها أن تموتَ ولا ترى

برجلِ دِفاعٍ راعَها واستَذلَّها

فصَيَّرَ أرضَ الشامِ طرّاً مُعسكَرا

وحَشَّدَ لِلأحرارِ زحفاً مُضرِّساً

مُضرَّىً قد اعتادَ الفَواتِكَ والضّرى

وما حَمدَ الإفرنجُ قلباً وساعداً

ولكنَّهم قد يجمدونَ السنوَّرا

عَليهِ إذا اشتَدّ القِتالُ اتِّكالهم

ولولاهُ لا نلقى أذَلَّ وأخسَرا

ملأنا فؤاد العِلجِ رُعباً وهيبةً

فأحكمَ آلاتِ الدَّمارِ وأكثرا

معدّاتُهُ كُثرٌ وجمٌّ عَديدُهُ

وإعدادُنا من عَدِّنا كان أنزرا

وماذا يُرجَّى من سِلاحٍ مُصَرَّد

وجُندٍ حَماسيٍّ تَطوّعَ أشهرا

كبيرٌ على الجيشِ الصّغيرِ مُقدَّمٌ

أطاعَ الهوى حتى رآهُ مُكَبَّرا

هو الأعظمُ ابنُ العَظمةِ البَطلُ الذي

أبى العارَ فاختارَ الوقيعةَ مَخطرا

إليهِ تناهى الضّرسُ من كلِّ مَعشرٍ

فكان بتأثيلِ الكتائبِ أخبرا

ولكنَّ مُلكاً حادثاً قلَّ مالهُ

وأعوانُه قد صادَفَ الأمرَ أعسرا

فأقدمَ حتى قيلَ ليسَ مُدَرَّباً

وخاطَرَ حتى قيلَ ليسَ مدبِّرا

وإذ تستخِفُّ الأريحيّةُ رَبَّها

يَرى الموتَ سكراً والمرارةَ سُكّرا

لقد طوّحتهُ نخوَةٌ عربيَّةٌ

تهوَّسَ من هَزاتِها فتَهوّرا

وَمن ذا يردُّ البحرَ في هَيَجانهِ

إذا اصطخَبت أمواجُهُ فتزّخرا

ترَبّص إحدى الحُسنَيينِ تبسُّلاً

فما عابَهُ ألا يكونَ المُظفَّرا

وأيقَنَ أن النصرَ في جنب خصمِهِ

ولكن رأى حظَّ الشَّهيدينَ أفخرا

على أشرَفِ الميتاتِ وطَّنَ نفسهُ

فشدّ لِكي يلقى الرّدى لا لِيُنصَرا

ونادى بأعلى الصّوت يدعو إِلى الوفى

وحاوَلَ أن يهدي الخليطَ المُبعثرا

وما ذاكَ إِلا من إباءٍ ونخوةٍ

يزيدانِ نفسَ المُستميتِ تكبُّرا

إذا الحرُّ ألفى بالحياةِ مَذلَّةً

يَكرُّ إِلى حيثُ المنيّةُ تُزدَرى

خميسُ العدى أربى عديداً وعدَّةً

فما هابَهُ بَل كان لِلحَربِ مُسعِرا

ولو عادلَ الأعداءَ جُنداً وأهبةً

لنثَّرَ إِكليلَ السّماءِ وضَفَّرا

فقادَ بريماً من رِجالٍ أعِزَّةٍ

ليلقى خميساً قارِحاً مُتجَمِّرا

تواصوا على حربِ العِدى وتحاشدوا

مَذاويد يلقونَ المدافعَ حُسَّرا

عروبَتُهم قد أعربت عن نُفوسهم

فكانت من الإبريزِ أصفى وأبهرا

لقد حقرت في ضُعِفها كلَّ باذخٍ

كما استصغرت في البأس كِسرى وقيصرا

فلم تحمِلِ الغَبراءُ أصدقَ همَّةً

وأثبَتَ إقداماً وأطيبَ عُنصُرا

لهم جهّزَ الجبّارُ جيشاً عرَمرماً

فلم يشهدِ الألمانُ أقوى وأكثرا

ولكنَّ أبناءَ القُرومِ تبذّلوا

لِموتِ شريفٍ كان بالحرِّ أجدَرا

فكان لهم بالقائدِ الشّهمِ إسوةً

وكان المُرجَّى للشؤونِ المصدّرا

على الهضبةِ الشّماءِ كان وقوفُهُ

يُباصِرُ أجنادَ العِدى مُتبصِّرا

فعرَّضَ للأخطارِ نفساً عزيزةً

ومُرتبةً من أن يخاطِرَ أخطرا

وعانقَ بنتَ المجدِ واستقبلَ الرَّدى

أمامَ السَّرايا صابراً ومُصبِّرا

أطلَّ على أعدائهِ مُتهلِّلاً

فهلَّلَ جيشُ المؤمنينَ وكبَّرا

وأكبرَ جيشُ المعتدينَ اقتحامَهُ

فقالَ أهذا السّيلُ يصدعُ أنهرا

ترادوا بآلاتِ الرّدى وتراشقوا

ونارُ الوغى منها جحيمٌ تسعَّرا

فطَبَّقت الآفاقَ لمّا تبَهنَست

وأنفاسُها كانت دُخاناً وعِثيرا

تداعت جبالُ الشّامِ من صعقاتِها

وهزَّ صداها أرضَ بصرى ودُمّرا

لِصوقعةِ الجلّى صواعِقٌ جَلّلت

لها الفلك الأعلى دَجا وتقوَّرا

فكانت جحيماً من أبالِسةٍ أتوا

يبيعونَ وسطَ النّارِ فحشاً ومُسكرا

فكم ثمَّ مِن دبّابةٍ دكَّتِ الرُّبى

وطيّارَةٍ شعلولها دكدَكَ البرى

فلم يرهبِ الأبطالُ تحتَ لِوائهم

براقيلَ بالسّجيلِ ترمي مُدَردرا

جلاميدَ كانوا بالجلاميدِ أُلصِقت

فما زَحزَحتهم مطرةُ النّارِ مشبرا

سواعِدُهم صفريَّةٌ وصدورُهم

حديديَّةٌ تزري الحدِيدَ المُزَبَّرا

لقد ثبتوا حُمساً وكلُّ مُجاهِدٍ

لِعشرةِ أعلاجٍ فأبلى وأعذَرا

فقالَ أعاديهم لحُسنِ بلائهم

أذلِكَ جُندُ اللهِ أم أُسُدُ الشّرى

كذا لبسوا في النّقعِ ثوباً مُضرَّجاً

لِكي يلبسوا العلياءَ بُرداً مُحبَّرا

ولكن لجدٍّ عاثِرٍ خانت الوغى

فأردت أميرَ الجيشِ حرّاً تهجَّرا

تصعصعَ صفُّ الجندِ وانصاعَ حائراً

لمصرعِ ندبٍ كانَ قُطباً ومحورا

تقوَّضَ رُكنُ الدّينِ عندَ سُقوطِه

ومالَ عمادُ المُلكِ والحقُّ أدبرا

له خُسِفت أرضُ الشآمِ وزَلزلت

وأوشكتِ الأجرامُ أن تَتدَهورا

هوى القائدُ الأعلى فتى العربِ الذي

حكى أنجدَ القوّادِ بل كان أمهرا

فهل بعدهُ حُرّيةٌ وسعادةٌ

لشعبٍ يرى جيشاً من الرّومِ أخزَرا

أصابتهُ في حرِّ النِّضالِ شظيَّةٌ

أصابت قلوب العُربِ فاصِمَةُ العُرى

فخرّ صريعاً وهو أبسلُ قائدٍ

ومَجّ نجيعاً أخلجَ الجرحِ أتغرا

وجادَ بنفسٍ حُرَّةٍ مُشمئزَّةٍ

تودُّ ولو بالموتِ أن تتحرَّرا

أرادَت ِإلى دارِ الخلودِ تخلُّصاً

فما وجدَت إلا الشَّهادَةَ معبرا

فأطهرُ أنفاسٍ إليها تصاعدَت

وأزكى دمٍ يومَ الجهادِ تَفجَّرا

سرى نفسٌ منه الرِّياحُ تعطّرَت

وسالَ دمٌ منهُ التّرابُ تطهّرا

فأجنِحةُ الأملاكِ فيهِ تخضَّبت

وقد مَسحتهُ كي يُصانَ ويُذكرا

على شرفٍ أودى فشرّفَ أُمَّةً

وقدَّسَ أرضاً حجَّبت منهُ محسرا

رأتهُ ثَقيلاً فاستخفّتهُ ميِّتاً

وضمَّتهُ مشبوحَ الذِّراعينِ مُسقرا

طويلاً ستبكيهِ الفواطمُ في الحِمى

فقد كان دون الخِدرِ والحصنِ حيدرا

وينثرنَ أزهاراً ومسكاً ولؤلؤا

ودمعاً على أحبى الخدودِ تحدّرا

علينا يمينٌ أن نحُجَّ ضريحهُ

لنأخُذَ منهُ قُوَّةً وتصبُّرا

فأطيبنا ريحاً وخلقاً وسمعةً

قضى في هوانا أشعَثَ الرأسِ أغبرا

أيوسُفَ يا ابن العظمةِ استعظمَ الورى

شهادَتَكَ المُثلى ومثلكَ لم يرا

تردَّيتَ فارتدَّت أمانيُّ أُمّةٍ

مُشرَّدةٍ تشتاقُ عَرشاً ومنبرا

يَعِزُّ علينا أن نراكَ مُشَحَّطاً

وتأبى الثُّريَّا أن نواريكَ في الثَّرى

ألا يا شهيدَ الحقِّ والمُلكِ والهُدى

بموتِكَ بجّلتَ الضَّعيفَ المُحسَّرا

وأحييتَ شعباً صارَ في نكباتهِ

يرى القبرَ مهداً والنّذيرَ مُبشِّرا

فسوريَّةُ الثّكلى عليكَ تفجَّعت

وقد ذهبت فيها النّفوسُ تحسُّرا

فنم في ثراها مُطمئنّاً مُكرَّماً

فذاكَ الثّرى قد صارَ مِسكاً وعنبرا

عليكَ صلاةُ المُصطفى وسلامُهُ

فأنت كبيرٌ صار بالموت أكبرا

صحابُكَ فِتيانٌ كِرامٌ تساقطوا

وكانوا على الهيجاءِ والموتِ أصبرا

لقد أرخَصوا أرواحهم ومتاعهُم

وغالوا بأعراضٍ هي النّجمُ أزهرا

فماتوا أُباةً مُسلمينَ تشَهَّدوا

فلم تشهدِ الجنّاتُ أتقى وأنصرا

بهم قدَّمت أرضُ الشآمِ ضحيَّةً

تقبّلها ربُّ السماءِ وبرَّرا

وكلٌّ شهيدٍ سوفَ يشخُبُ جرحهُ

دماً طاهراً يومَ القيامةِ أذفرا

يُرشُّ على الجنّاتِ مِنه تبرُّكاً

فينبتُ فيها زعفراناً وعُصفرا

سلامٌ على الأبطالِ إنّ دماءَهم

ستُحيي شُعوراً لن يموتَ ويُقبرا

لعمرُ العُلى الأحياءُ هم فمماتُهم

خُلودٌ وهذا حظّ من عاشَ مؤثرا

سقاكِ الحيا يا ميسلونَ كما سقوا

ثراكِ دماً من صيِّبِ المُزن أطهرا

شهدتُ الأُلى يوم الشّهادةِ أشهدوا

على الحقّ والحريّةِ الله والورى

فأضحى يقيناً كلُّ ما كان شُبهة

وأمسى قويماً كلُّ ما كان أزورا

عل كلِّ رشٍّ من دمٍ رشُّ مدمعٍ

ففي الوجدِ صار الدّمعُ والدَّمُ جوهرا

فما كان أغلاهُ وأثمنَهُ دماً

على ذوبِ أرواحٍ وأدمِغةٍ جرى

لقد ذهبت بطلاً دماءٌ عزيزةٌ

بتهريقها ذو البطلِ أصبح أبطرا

ولكِنَّها سالت لخيرٍ ونعمةٍ

كما سالَ يُنبوعٌ فأروى وأنضرا

سَقت زَرعَ أحرارٍ وأغراسَ أُمةٍ

كذلكَ حانَ الزّرعُ والغرسُ أثمرا

وما بَسقت حرّيةٌ وتأصّلت

بغيرِ الذي يجري مِنَ القلبِ مُهدرا

هَوى عَلمٌ قد ظلَّلَ المُلكَ مُدَّةً

فباتَ على كلِّ العُيونِ مُصوَّرا

ولكنَّهُ لم يهوِ عَن قَلبٍ أمةٍ

تراهُ على البأساءِ أبيضَ أخضرا

لقد رَفعتهُ ثم فدَّتهُ حُرَّةٌ

وشامَت بهِ برقاً تألَّقَ مُمطرا

فألوانُهُ في كلِّ قلبٍ ومُقلةٍ

ونجمتُهُ تهدي الضَّليلَ المحيَّرا

بنجمتِهِ الزهراءِ في اليأسِ نهتَدي

وقد زيّنت ما بالدِّماء تحمّرا

وما هي إِلا رَمزُ أُمنيَّةٍ بدَت

لنا في المنايا فازدَرَينا المُحذفَرا

سَلامٌ على ذيّالِكَ العَلمِ الذي

بَدا في دياجينا مَناراً ونيِّرا

فقدَّسهُ يومَ الشَّهادةِ والفِدَى

دَمُ الشُّهداءِ المُرتقينَ إِلى الذُّرى

كراتُ الأعادي مزَّقتهُ فلم يكُن

بتمزيقهِ إِلا أَجلَّ وأوقرا

تحيَّتُها زادَتهُ عزّاً ورِفعةً

وحبّاً وإكراماً وحُسناً مُؤثِّرا

جَوانحُنا آفاقُهُ وقُلوبُنا

مَطالِعُهُ ما بلّلَ الدّمعُ محجرا

فلن يحجبوا ألوانَ مجدٍ ونجمَةً

تذُرُّ علينا مِن دُجى الخطبِ أظهرا

سَنحيا كما مُتنا كِراماً لأجلهِ

وعن نيلهِ باعُ العِدى كان أقصَرا

ونذكر يوماً أثبت الحقَّ بالرَّدى

ونحفَظُ تبلاً صَيّرَ القلبَ مُجمرا

ونكظمُ غيظاً مُظهرينَ تجلُّداً

وننهضُ شعباً حائراً مُتَعثَّرا

ونثأرُ بَطّاشينَ بعد سُكوتِنا

وقد حرَّكَ التّذكارُ حِقداً مُدثَّرا

ونضربُهُم ضرباً بما ضرَبوا بهِ

ونرشُقُهم رشقاً دَراكاً مُشرشرا

ولا رَحمةٌ يومَ التّفاني فطالما

غدا معشرٌ يُفني من الضّغنِ مَعشرا

عن الثّأرِ والشّحناءِ ضاقت صُدورُنا

وهذا انتِقامٌ كان مِنّا مُقدَّرا

فقل أيُّها المُستذئبونَ ترقَّبوا

من العربِ الأقتالَ يوماً مُشهَّرا

صَبرنا على المكروهِ منا نُفوسنا

وقد بَلغت عِذراً بأمر تعذَّرا

كتبنا على رقِّ القلوبِ عُهودَنا

فصينت ولن تمحو الأسِنّةُ أسطُرا

لقد شهدَت أمٌّ وأختٌ وزوجةٌ

وبنتٌ وجُوهاً شوّهتها الحبوكرى

لنا فَخرُها الأسمى وللخصم نصرُها

ورُبَّ انتِصارٍ كان في البطل مُعوَرا

فيالكِ من ذكرى هُناكَ أليمةٍ

لنا كلفٌ منها بأن نتذَكَّرا

فقلت لِعيني حانَ أن تتقطَّري

وقلتُ لقلبي هانَ أن تتفَطَّرا

تمنيَّتُ مع فتيانِ قومي شهادَتي

ولكنّني أهوى الحياةَلأثأرا

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس