الديوان » العصر العباسي » التهامي »

بعثن غداة تقويض الخيام

عدد الأبيات : 62

طباعة مفضلتي

بَعثنَ غداةَ تَقويضِ الخِيامِ

مَنيَّة كُلَّ صَبٍ مُستَهامِ

وَمِلنَ إِلى الوَداعِ وكل جَفنٍ

يُفيضُ الدَمع كالقدح الجِمامِ

جَرَت عبراتُهُنَّ عَلى عَبير

كَما اِصطَفقَ الحُباب عي المُدامِ

ظِباءٌ صادَها قَنّاصُ بَينٍ

فَأَبدَلَها الهَوادِج بِالخِيامِ

أَراميهنَّ بِاللحظات خَلساً

فَترجع نَحوَ مَقتَلَتي سِهامي

برودٌ رِيقُهنَّ وَكَيف يَحمى

وَمَجراهُ عَلى برَدٍ تُؤَامِ

هَجَرتُ رِضابهنَّ لأَنَّ فيهِ

بُعَيدَ النَومِ أَوصاف المُدامِ

وَأقسمُ ما مُقتَّقةٌ شَمولٌ

ثَوَت في الدَن عاماً بَعدَ عامِ

إِذا ما شاربُ القوم اِحتَساها

أَحَسَّ لَها دَبيباً في العِظامِ

بِأَطَيبِ من مُجاجتهنَّ طَعماً

إِذا استيقظنَ من سِنَةِ المَنامِ

وَلَم أَرشَف لَهُنَّ جَنىً وَلكن

شَهدنَ بِذاك أَعواد البشامِ

إِذا شفَّت بَراقِعُهنَّ قُلنا

ضياء البدر من تحت الجِهامِ

سِقام جفونهنَّ سِقام قَلبي

وَهَل يَبرى السِقامُ مِنَ السِقامِ

وَإِنّي عند مَقدِرَتي وَوَجدي

بهنَّ مَع الشَبيبَة وَالغَرامِ

أَعَفُّ عَن الخَنا عند اِنتِباهي

وَأَحلُمُ عنه في حال المَنامِ

هَوىً لا عيب فيهِ وَلا أَثامِ

إِذا ما الحُبُّ أُفسِدَ بِالأَثامِ

وأقسم صادِقاً لَو هَمَّ قَلبي

بِفعلِ دَنيَّةٍ خَذلت عِظامي

وَأَظلمهنَّ إِن ناديتُ يَوماً

بِإِحداهِنَّ يا بَدرُ التَمامِ

كَما ظَلَمَ النَدى مَن قاسَ يَوماً

نَدى كَفَّ المفرِّج بِالغَمامِ

فَتىً جُبلت يَداهُ عَلى العَطايا

كَما جُبِلَ اللِسانِ عَلى الكَلامِ

نَزَلت بِهِ فَقرَّبني كَريمٌ

تقسَّمه العلى خَيرَ اِقتِسامِ

فَيُسراهُ لنَيلٍ أَو عنانٍ

وَيُمناهُ لِرُمحٍ أَو حُسامِ

وَطَوَّقني صَنائِع لَيسَ تَخفى

وَكَيفَ خَفاء أَطواق الحِمامِ

لَقَد أَحيا المَكارِمَ بَعدَ مَوتٍ

وَشادَ بِناءها بَعدَ اِنهِدامِ

وَيقسمُ ماله في كِلِّ وَفدٍ

كَلَحمِ البُدنِ في البلَدِ الحَرامِ

بِصَفحَةِ خَدِّهِ لِلبشرِ ماء

كَمِثلِ الماء في صَفح الحُسامِ

وَلَم أَرَ قَبلَهُ أَسَداً يُلاقي

ضُيوفاً بِالتَحيَّةِ والسَلامِ

يَزرَّ الدِرعَ منه عَلى هِزَبرٍ

أَبي شِبلٍ مَخالبه دَوامي

فَتىً لقيَ الوَغى قَبلَ اِثِّغارٍ

وَقادَ جُيوشها قَبلَ اِحتِلامِ

فَلَيسَ يَراع لِلغمَراتِ حَتّى

يراع الحوت في اللُجَجِ العِظامِ

يُغادِرُ قِرنَهُ وَالرُمحُ فيهِ

صَليباً بَينَ رُهبان قِيامِ

تكفِّنهُ البَواتِرُ في دِماء

وتدفنه الحَوافِرُ في القَتامِ

تَفيض دَم العِدى مِن كُلِّ دِرع

كَفَيضِ الخَمرِ مِن خَلَلِ الفَدامِ

وَتُسمِعُهم كَلام المَوت جَهراً

بِآذانٍ مِنَ الطَعنِ التُؤامِ

وَلَم يَكُ طَعنه أَذناً وَلَكِن

يَكون السَمعُ من قَرع الكَلامِ

وَيَهرتُ في الطِلى أَشداقُ عنسٍ

تُحلَّب بِالدِماء بدل اللَغامِ

لَهُ مِن نَفسِهِ أَبَداً مُنادٍ

يُناديهِ إِلى الرُتَبِ الجِسامِ

فَيَومُ الجودِ حَيَّ عَلى العَطايا

وَيَومُ الحَربِ حيَّ عَلى الزِحامِ

لَو أَنَّ المَجدَ يُدرِك بِالهُوَينا

لما فَضُلَ الكِرام عَلى اللِئامِ

تُجمِّل كل مملكة يَداهُ

وَإِن كانَت جَمالاً للأَنامِ

كَذاكَ الدُرّ أَحسَن ما تَراهُ

عَلى عُنُقِ الخَريدَةِ في النِظامِ

ونعمةُ غيرِهِ عارٌ عَلَيهِ

كَمِثلِ الخُلي لِلسَّيفِ الكِهامِ

رآهُ اللَهَ لِلعَلياءِ أَهلاً

فَأَعلاهُ عَلى قِمَمِ الكِرامِ

فَقابَلَ فَضلَ خالِقِهِ بِشُكرِ

وَإِنَّ الشُكرَ داعِيَة الدَوامِ

بَنوه لِجَيشِهِ أَبَداً إِمام

بِمَنزِلَةِ النُصولِ مِنَ السِهامِ

فَبورِكَ ولدُهُ أَبَداً سِهاماً

وَبورِكَ سَهمُ دين اللَهِ رامي

سِواءٌ فيهُمُ قَول المُنادي

هَلِمّوا لِلطِّعان أَو الطَعامِ

نَزَلتُم طَيِّباً حرماً وَكُنتُم

مَكانَ الرُكنِ منها وَالمَقامِ

أَتَتكَ رَسائِل السُلطانِ تَرضى

وَتقنع من هِباتِكَ بِالرَمامِ

أَتاكَ رَسولُ مَولانا نِزارٍ

بِخاتِمه المُعَظَّم في الأَنامِ

أَماناً مِن جَميعِ الناس طُرّاً

فَأَنعَم بِالأَمانِ وَبِالدَوامِ

وَأَلقاباً مُكرَّمَة حِساناً

وَحيّاً بِالتَحيَّةِ وَالسَلامِ

إِذا خافَ الإِمام سَطاكَ يَوماً

فَكَيفَ يَكونَ مَن دونَ الإِمامِ

وَمَن كانَ الإِلَهُ لَهُ مُعيناً

فَكَيفَ يَخاف ما دونَ الأَنامِ

إِلَيكَ جَعَلتُ صَدر المُهرِ سِلكاً

أَسدُّ بِهِ المَوامي بِالمَوامي

إِذا وَرَدَ القَرارَة بَعدَ أَينٍ

حَشا فاهُ عَلى فاس اللِجامِ

فَكَم مَلِكٍ أُغادِرُ عَن يَميني

وَعَن يُسرايَ إِذ كُنتُم أَمامي

وَلَستُ بِذي عَمىً عَن رزق سُوءٍ

أُغادِرُهُ وَلَكِن عَن تَعامي

إِذا قَنِعَ الهِزَبرُ بقوت كَلبٍ

فَلَيسَ الفَرقُ إِلّا في الأَسامي

رَضَعتَ الجودَ قَبلَ الدَر طِفلاً

وَما لِرَضاع جودِكَ مِن فِطامِ

فَجودُ سواك رَمَيةُ غَير رامٍ

وَجودك رَمية من كَفِّ رامِ

فَعِش واسلَم قَريرَ العَينَ تَعلو

وَتبلغ زا تُؤمِّل مِن مَرامِ

معلومات عن التهامي

التهامي

التهامي

أبو الحسن علي بن محمد بن فهد التهامي. من كبار شعراء العرب، نعته الذهبي بشاعر وقته. مولده ومنشؤه في اليمن، وأصله من أهل مكة، كان يكتم نسبه، فينتسب مرة للعلوية..

المزيد عن التهامي

تصنيفات القصيدة