الديوان » العصر العباسي » التهامي »

هي البدر لكن تستر مدى الدهر

عدد الأبيات : 50

طباعة مفضلتي

هيَ البَدرُ لِكِن تستر مَدى الدَهرِ

وَكل سِرار البَدر يَومانِ في الشَهرِ

هَلاليَّةٌ نيل الأَهِلَّة دونَها

وَكل نَفيس القدر ذو مطلب وَعرِ

وَمِن دونِها سوران سُورٌ مِنَ النَوى

وَسورٌ مِنَ الأَسيافِ وَالأسل السُمرِ

وَدون ارتِشافِ الريق يَرشف بِالقنا

عَريض الدِماء ماء يُشَبَّه بِالثَغرِ

طَوى طيفها في النَوم نَحوي مَفاوِزاً

مِنَ الأَرضِ تنضي راكِب البَرِّ وَالبَحرِ

فيها لَيلَةً كانَت لَهُ بِسوادها

وَبَهجَتِها كالخالِ في وَجنَةِ البكرِ

لَها سَيف طرف لا يزايل جفنه

وَلَم أَرَ سَيفاً قَطُّ في غمده يَغري

عُيونُ هِلالٍ في القُلوبِ ولحظها

أَحَدُّ وَأَمضى مِن سيوفِهِم البتر

لَها ريقة أَستغفر اللَهَ إِنَّها

أَلَذُّ وَأَشهى في النُفوسِ مِنَ الخَمرِ

أُعانِق مِنها صعدة راعبيَّة

تَرى زَجّها في مَوضِع النظر الشَزَرِ

وَيقصر ليلي إِن أَلمَّت لأَنَّها

صَباحٌ وَهَل لِلَّيلِ بقياً مَع الفَجرِ

أَقولُ لَها وَالعيسُ تحدج لِلنَّوى

أَعدّي لِفَقدي ما استَطَعتِ مِن الصَبرِ

وَقَد كانَتِ الأَجفانُ لِلجزع مَعدِناً

فَصارَت لِفَيضِ الدَمعِ مِن صَدفِ البَحرِ

سَأَنفقُ ريعان الشَبيبَة آنِفاً

عَلى طلبِ العَلياء أَو طَلَبِ الأَجرِ

أَلَيسَ مِنَ الخُسرانِ أَنَّ لَيالياً

تَمُرُّ بِلا نَفَعٍ وَتُحسَبُ مِن عَمري

تَبَدَّل وَجه الأَرضِ مِن كُلِّ وِجهَةٍ

لِيأخُذ بِالتَعبيسِ مِن رَونَقِ البِشرِ

وَقَد كانَ ناونا فَآثَرهُ بِنا

بِذي كَرَمٍ بِالنَفعِ يُنجي مِنَ الضُرِّ

وَقَد كانَ نِجماً واضِحاً كُمُحَمَّدٍ

وَمثل عَلاه أَو خَلائقه الغرِّ

أَغَرَّ لَهُ باع تَقسَّمه العُلى

فَلِليَمَنِ يُمناهُ وَيُسراهُ لِليُسرِ

يَنوطُ نِجادي رَأيه وَحسامه

بِصَدرٍ كَمثل البَحرِ أَو سِعَة البَرِّ

وَيَحلُم عَن ذي الجَهلِ حَتّى كَأَنَّهُ

وَحاشاهُ مِن فَرطِ الوِقارِ أَخو وَقرِ

يُمَيِّزُهُ مِن كُلِّ شبهٍ فَضائِل

شَهرنَ لَه في الأَرضِ كالواو في عمرِو

وَيعرف قَبلَ الخير بِالبشر فَضله

كَما يُعرَفُ الصِمضامَةُ العَضَب بِالأَثَرِ

فَلا تعجبا أَن يَلفظ الدُر قائِلاً

فَلَم يَخلُ بحر زاخر قَطُّ مِن دُرِّ

إِذا جَلَبَ الأَقلام نَحوَ يمينه

فَقَد جلبت مِن شَطِّ بَحرٍ إِلى بَحرِ

يذكِّرُ أَعواد المَنابِرِ جده

وَأَباءه وَالأَمرُ يُذكَرُ بِالأَمرِ

فَلَو أَنَّ أَعواد المَنابِرِ جده

وَأباءه وَالأَمرُ يُذكَرُ بِالأَمرِ

تَبيَّنُ في الطِفلِ النَجابَة مِنهُم

كَما يَستَبين العتق وَالسَبق في المَهرِ

رأيت العُلى تَحتاج أَصلاً وَبيئة

وَهَل يَطبع الدينار إِلّا مِنَ التِبرِ

تَجَرَّد هَذا الدَهر في نَصر أَهلِهِ

وَترك القَضا في كَفِّ خير أَولي النَصرِ

وَنيطَ بِهِ أَمر المَظالِمِ إِنَّما

يَنوطُ أَخو العزم الحَمائِل بِالصَدرِ

فَأَضحى ظَلام اللَيلِ نوراً بِعَدلِهِ

وَهَل لِظَلامِ اللَيلِ نَفع مَع الفَجرِ

وَزَيَّن أَقطارَ البِلادِ بِحُكمِهِ

وَأَحكامِهِ في الأَرضِ كالظَلم في الثَغرِ

بَدأتَ بِأَمرٍ فأته قَبلَ فوته

وَما دمت بَل لا زِلت متمثل الأَمرِ

وَإِنّي وَإِذكاريك أَمري كَقائِل

لهذي النُجوم وَهيَ تَسري أَلا فاسري

رَعاكَ الَّذي اِستَرعاكَ أَمر عِبادِهِ

وَحَيّاكَ مَن أَحياكَ لِلنَّفعِ وَالضُرِّ

لَهُ قَلم يَفري رِقاب عداته

وَهَل مخلب في إِصبَع اللَيثِ لا يَفري

إِذا سحب القرطاس مِن وَقعِهِ بِهِ

تَجَلَّت وجوه الخَطبِ وَالخُطَبِ الغُرِّ

تَجَمَّعَ أَقسام العُلى في كِتابِهِ

فَكانَ العُلى في الكُلِّ وَالشَطر في السَطرِ

الأئِمَة في الجود دعه فَإِنَّهُ

عَلى كُلِّ حالٍ يَعدِل البُخلَ بِالكُفرِ

إِذا لمته في لَج فِعلٍ فَقُل لَنا

أَتَعذِلَهُ بِالدَرِّ في الجود أَم تُغري

أَمُنتَجِعُ الغيث أَنتجع بحر كَفِّهِ

فَما الغَيثُ إِلّا في أَنامِلِهِ العَشرِ

أَمُنتَجِعُ الماء القراح وَهذه

سَحائِبُ تَهمي بِاللُجَينِ وَبالتِبرِ

وَما المَجد إِلّا رَوضَة هوَ زهرها

وَلَيسَ يَروق الرَوض إِلّا مَع الزَهر

عجبت لِهَذا الدَست كَيفَ جَفافه

وَقَد ضَمَّ بَحراً مِنكَ لَيسَ بِذي جَزرِ

وَقالوا لَنا في الدَهر بُخلٌ وَما سَخا

بِمثلك إِلّا أَهل ذا الزمن الحُرِّ

يَنُمُّ عَلَيكَ الفَضلَ في كُلِّ مَوطنٍ

نزلت كَما نَمَّ النَسيم عَلى العِطرِ

فِداؤك حيٌّ مِثلَ مَيتٍ لبخله

يُظَنُّ اقتناء المالِ خَيرٌ مِن الذِكرِ

يَموتُ لَئيم القَومِ مِن قبل مَوتِهِ

وَيقبُرُ مِن قَبلِ الدُخولِ إِلى القَبرِ

فَعِش عُمرَ مَدحي فيكَ إِنَّ مَدائحي

مِنَ الخالِداتِ الباقِياتِ إِلى الحَشرِ

معلومات عن التهامي

التهامي

التهامي

أبو الحسن علي بن محمد بن فهد التهامي. من كبار شعراء العرب، نعته الذهبي بشاعر وقته. مولده ومنشؤه في اليمن، وأصله من أهل مكة، كان يكتم نسبه، فينتسب مرة للعلوية..

المزيد عن التهامي

تصنيفات القصيدة