الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

تذكر بالخيف عهدا قديما

عدد الأبيات : 51

طباعة مفضلتي

تذكَّر بالخَيْفِ عَهْداً قديما

وشاهَدَ في الرَّبْع تلكَ الرُّسوما

فظلَّ يُكفكفُ دمعاً كريماً

وباتَ يُعالجُ وجداً لئيما

سقى الله دار اللّمى بالحيا

فرامة فالمنحنى فالغميما

وحيَّى منازلنا بالعقيق

وأَلقى عليهنَّ غيثاً عميما

وقفنا عليها ضحًى والهوى

يُذيب القلوب ويُفني الجسوما

وكم وقفة لي بتلك الدِّيار

أُداري بهنَّ الأَسى والهموما

تَنمّ عليَّ دموع العيون

ولمْ أرى كالدَّمع شيئاً نموما

تَقَضَّى عليَّ لنا زمنٌ بالحمى

ولئنْ قضى الله أنْ لا يدوما

وجَارَتْ علينا صروف الزَّمان

وكانَ الزَّمان ظلوماً غشوما

وكانوا بجمع وكانَ الكئيب

فحلّوا الغُوَير وحلَّ الحَطيما

ومَرَّتْ نسائم عيش المحبّ

وعادتْ عليه برغمٍ سموما

لياليَ مرَّت مرور الخيال

وكانت نعيماً فصارتْ جحيما

ولا نشَّقَتْني الصّبا بعدهم

أريجاً ذكيًّا ومسكاً شميما

وممَّا شجانيَ وُرْقُ الغُوَير

تُرَدّدُ في الدَّوح صوتاً وخيما

على أنَّني إنْ بدا بارق

نَثَرْتُ من الدَّمع دُرًّا نظيما

فتفضحُني عبرتي في الهوى

ولن ترى صبًّا لسرٍّ كتوما

وإنَّ غريمي غزال اللّوى

فجُوزيت بالخير ذاك الغريما

رماني بعينيه ظبي الصَّريم

فأمسى فؤاد المعنَّى صريما

رماني ولم يخشَ فرح

تُ قتيلاً وراحَ بقَتْلي أثيما

وأنتِ مهاةَ قطيع المها

أبيتُ لأجلك أرعى النُّجوما

وكنتُ ألومُ بك العاشقين

فأصْبَحْتُ يا ميّ فيك الملوما

وأثْقَلَني حملُ هذا الغرام

وحَمَّلَني الوجدُ عبئاً عظيما

وها أنا أَشكو فؤاداً عليلاً

وجسماً كطرف أُميمٍ سقيما

ولله قلبٌ بها المستهام

وما منع القلب أن لا يهيما

ومن بعد تلك الثَّنايا العِذاب

إلى كم أُعاني العذاب الأَليما

وأسْلمني للمنون المنى

كأَنَّني أبيتُ الدَّياجي سليما

ولولا رجائي بمفتي العراق

لأصْبحَ حالي قبيحاً ذميما

قطعت العلائق عن غيره

كما قطع المشرفيُّ الأَديما

كريمٌ أُؤَمِّل منه الجميل

وقد خابَ من لا يرجّى الكريما

ويولي بنائله الطالبين

فيُغني الفقير ويُثري العديما

ويهدي المضلَّ ويعطي المقلّ

ويرفع في البأس خطباً جسيما

أحاديثُه مثل زهر الرّياض

فهل كانَ إذ ذاك روضاً جميما

لطيفٌ رقيق حواشي الطّباع

لو جُسِّمَتْ لاسْتحالت نسيما

فسبحانَ من جعلَ الفضلَ في

عُلاك إلى أن عَلَوْتَ النجوما

فأوْضَحْتَ بالحقِّ للعالمين

صراطاً إلى ربّها مستقيما

وأصبحَ معوَجّ أمر الأَنام

بأحكام حكمك عدلاً قويما

وتغضَبُ لله لا للحظوظ

وما زلتَ في غير ذاك الحليما

وأَحْيَيْتَ رمَّةَ علم النبيّ

وقبلك كانتْ عظاماً رميما

كَشَفْتَ بعلمك إشكالها

فحَيَّرْتَ فيما كَشَفْتَ الفهوما

وصَيَّرتَ رُشدَك صبحاً منيرا

يَشُقُّ من الغيِّ ليلاً بهيما

لقد نِلْتَ ما أَعجز الأَوَّلين

وأَصْبَحْتَ في كلّ علمٍ عليما

فطَوْراً هُماماً وطَوراً إماماً

وطوراً عليماً وطوراً حكيما

وأَنْتَ أجلُّ الورى رُتبةً

وأعظمُ قدراً وأَشرفُ خِيما

وقد نَتَجَتْ بك أُمُّ العُلى

ومن بعد ذلك أضْحَتْ عقيما

فيا مَن به أَقْلَعُوا النائبات

كما تقلع المرسلاتُ الغيوما

تَرَحَّمْ على عبدك المستهام

فإنِّي عهدتُك برًّا رحيما

وإنِّي لأجلب فيك السُّرور

وإنِّي لأكشف فيك الغموما

فلا تُشْمِتَنَّ بي الحاسدين

فتطمع فيَّ العدوَّ المشوما

ولا تترُكنِّي لقًى للهموم

فتتركني في الزَّوايا هشيما

وأَلسنَة الخصم مثل الصَّوارم

تُسقى الدماء وتفري اللّحوما

فنَاْ سيِّدي أُنسَ عيدٍ جديد

وحُزْ في صيامك أجراً عظيما

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس