الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

هلا نظرت إلى الكئيب الواله

عدد الأبيات : 60

طباعة مفضلتي

هَلاّ نَظَرْتَ إلى الكئيب الوالِهِ

وسأَلْتَه مُسْتكشفاً عن حالِهِ

أَودى بمهجته هواك ولم يَدَعْ

منه الضَّنى إلاَّ رسوم خياله

الله في كبد تذوب ومدمع

أهرَقْتَ صَوْبَ مصُونه ومذاله

وحشاشة تورى عليك وناظر

ممَّن دعا لوبالها ووباله

أتظُنُّه يسلو هواك على النَّوى

تالله ما خطر السُّلُوُّ بباله

عذراً إليك فلو بدا لك ما به

ما كنتَ إلاَّ أنتَ من عذَّاله

وَيْلي من الحيِّ المراق له دمي

في غاب ضيغمه كناس غزاله

هذا يصول بطرفه وبقَدِّه

صولات ذاك برمحه ونصاله

من كلِّ معتقل قناة قوامه

والطَّعنُ كلُّ الطَّعنِ من عسَّاله

رامٍ يسدِّدُ سَهْمَه ويريشه

أَحشايَ من أَغراض وقع نباله

مرَّت ممسَّكة الصّبا فتنفَّست

عن ورد وجنته ومسكة خاله

ولكم جرى بيني وبين رضابه

ما كانَ عند السكر من جرياله

لا تعذلنَّ على الهوى أهل الهوى

ودع المشوق كما علمت بحاله

أمَّا رحيل تصبُّري وتجلُّدي

فغداةَ جدّ الرّكب في ترحاله

إنْ تنشدا قلبي وعهدكما به

صاع العزيز فإنَّه برحاله

يا أيُّها الحادي أما بك رأْفةً

بالرّكب منحطّ القوى لكلاله

عجت المطيّ لمنزلٍ مستوبلٍ

حتَّى وَقَفْتُ به على أطلاله

ولقد سأَلتَ فما أجابك رَبْعه

فعلامَ تُكثِرُ بعدَها بسؤاله

سحب النَّسيمُ على ثراك إذا سرى

أرَجاً يفوح المسك من أذياله

يا دارَنا وسقاك من صوب الحيا

ما إنْ يصوب الرّيَّ صبّ سجاله

سقياً لعهدك بالغميم وإنْ مضى

وتصرَّمَتْ أوقاته بظلاله

قد كنتُ أَعلمُ أنَّ عيشك لم يدم

وبَصُرْتُ قبل دوامه بزواله

قستُ الأُمور بمثلها فعَرَفْتُها

ولقد يُقاس الشَّيء في أمثاله

وتَقَلُّبي في النائبات أباحني

نَظَراً إلى غاياته ومآله

أنَّى تفوزُ بما تُحاولُ همَّتي

والدَّهر مُلْتَفِتٌ إلى أنذاله

وأَرى المُهذَّبَ في الزَّمان معذَّباً

في النَّاس في أقواله وفعاله

لا كانَ هذا الدَّهر من مُتمرِّدٍ

ماذا يلاقي الحرُّ من أهواله

سَعِدَ الشَّقيُّ بعيشه في جهله

وأخو الكمال معذَّبٌ بكماله

وأنا الَّذي قهر الزَّمان بصبره

جلداً على الأَرزاء من أنكاله

ما زلت ندب الأَكرمين وإنْ يكنْ

قلَّ الكريمُ النَّدبُ في أجياله

لله دَرُّ أبي جميل إنَّه

بَهَرَ العقول جميلُهُ بجماله

جَبَلٌ منيعٌ لا منال لفخره

قَصُرَتْ يد الآمال دون مناله

لا تعدلنَّ به الأَنام بأَسرِها

شتَّان بين تلوله وجباله

فَلَكٌ تَدورُ به شموسُ مناقبٍ

يُشْرِقْنَ بين جماله وجلاله

فَسَلِ النُّجومَ الزّهرَ وهي طوالعٌ

هلْ كُنَّ غير خلاله وخصاله

متوقّلٌ جبل الأُبوَّة لم يزلْ

في القُلَّة القعساء وطء نعاله

فمَضَتْ عزائمه على آماله

وقَضَتْ مكارمه على أمواله

طود توقّره الحلومُ وباذخٌ

لا يطمع الحدثان في زلزاله

حسبُ المكارم أنَّه من أَهْلِها

من بعد أَصحاب النّبيّ وآله

أَصْبَحْتُ أَعذر من يتيه بمدحه

عذر المليح بتيهه ودلاله

فكأَنَّما اغْتَبَقَ القريضُ بذكره

كأْس الشّمول تَرَقْرَقَتْ بشماله

يرتاح للجدوى فيطرب أَنْ يُرى

وَهَّاب غرّ المال قبل سؤاله

وإذا انتقدت بني الزَّمان وَجَدْتَه

رَجُلَ الزَّمان وواحداً برجاله

هو شرعة الظَّامي إذا اتَّقَدَ الظَّما

أَظما ولم أَفْقِدْ نَميرَ زلاله

وأنا الغريقُ من الجميل بزاخر

يكفي القليل النزر من أوشاله

في كلِّ ليلٍ حالكٍ من حادث

إنِّي لمرتقبٌ طلوع هلاله

لا غروَ أَنْ أُكفى به عن غيره

هَلْ كنتُ إلاَّ من أقلِّ عياله

فكأَنَّه للناس أجمَعِها أَبٌ

يحنو لرأْفته على أطفاله

ولقد أَقولُ لمنْ أراد نِضالَه

ما أَنتَ يومَ الرَّوع من أبطاله

في كلّ معترك لمشتجر القنا

ضاقت فسيحاتُ الخُطا بمجاله

كالعارضِ المنهلِّ يومَ نواله

والصَّارم المنسلّ يوم نزاله

بأَبي القَؤول الفاعل القرم الَّذي

تجنى ثمار الصّدق من أقواله

إنِّي نَعِمْتُ بجاهه وبماله

تَعسَ البخيل بجاهه وبماله

شَمِلَتْني الأَلطاف منه بساعةٍ

قبَّلْتُ ظهرَ يمينه وشماله

لا زالَ يُقْبِلُ بالعطاء عليَّ من

أفضاله أبداً ومن إقباله

متتابع النعماء جلَّ مآربي

فيه ومعظم ثروتي من ماله

ومحمِّلي بالفضل شكراً سرَّني

أنِّي أكونُ اليوم من حمَّاله

عقلَ القريض لسانه عن غيره

ورأى لساني فيه حلَّ عقاله

والفضل يعرفه ذووه وإنَّما

عَرفَ الفتى من كانَ من أشكاله

نسجت يداه من الثناء ملابساً

لا تنسج الدُّنيا على منواله

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

تصنيفات القصيدة