الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

عليك دموع العين لا زال تنهل

عدد الأبيات : 58

طباعة مفضلتي

عليكَ دُموعُ العَين لا زال تَنْهَلُّ

وَوَجْدي بكم وَجْدَ المفارقِ لا يَسْلو

وها أنا من فقدانكم ما دَجا ليل

أبيتُ ولي وَجْدٌ حرارته تعلو

ودمعٌ لي في عارضي عارض هطلُ

شُغِلْتُ بهذا الوجد قلباً مجدَّدا

ولم أرَ لي من شاغل الدَّمع منقذا

إلامَ أُعاني ما أُعانيه من أذى

وأطوي على جمرٍ وأُغْضي على قذى

وأُشغِلُ أعضائي وقلبي له شغلُ

أُقضِّي نهاري في عسى ولربَّما

وأبكي عليكم كلّ آونةٍ دَما

وإنِّي وعيشٍ فيكم قد تصرَّما

إذا اللَّيل وافى ضِقْتُ ذرعاً إلى الحمى

وفاضت شؤون ليس يعقِلُها عَقْلُ

شَجاني حَديثٌ بالبَوار مُصَرِّحُ

وأوْضَحَ لي حالَ الرُّصافةِ مُوضح

فمن ثَمَّ إنْ يُفضِحْ وللشوقِ مفصح

حَداني إلى الزَّوراء شوق مبرِّح

فلماذا الَّذي حَدَّثَتْ عن حالها سهل

وقالوا نَبَتْ لكنْ بأرباب فضلها

وجارَتْ على أشرافها بعد عدلها

فقلتُ ولا مأوًى إلى غير ظلّها

إذا ما نبت دارُ السلام بأهلها

فلا جبلٌ يؤوي الكرام ولا سهل

على ما أُصيبَت من عظيم مصابها

وما آذَنَتْ أحداثها بخرابها

فلا ظِلَّ إلاَّ في فسيح رحابها

وإنْ قَلُصَ الظلّ الَّذي في جنابها

فأين من الرَّمضاء في غيرها ظلّ

أَيُعْرَفُ خفضُ العيش إلاَّ بخفضها

وفيض النمير العذب إلاَّ بفيضها

لئنْ أجْدَبَتْ يوماً فهل مثل روضها

وإنْ نَضِبَ الماء النمير بأرضها

فأيّ شراب في سواها لنا يحلو

رعى الله ماضي عَهديَ المتقادمِ

ببغدادَ في رغدٍ منَ العَيش ناعمِ

وفي الكرخِ جاد الكرخ صوبُ الغمائمِ

ديارٌ بها نيطَتْ عليَّ تمائمي

قديماً ولي فيها نما الفرع والأَصلُ

يكلِّفُني عنها النَّوى فوقَ طاقتي

فسُكري بتذكاري بها وإفاقتي

منازلُ أحبابي ومنشا علاقتي

بها سَكني في رَبعها الخصب ناقتي

بها جَملي يرغو بها قِيمتي تغلو

تَذكَّرْتُ أحباباً لأيَّامِ جَمعها

ولم يَصْدَعِ البينُ المشتُّ بصَدْعها

فآهاً على وصلي لها بعد قطعها

ألا ليتَ شعري هل أراني بربعها

مقيماً وبالأَحباب يجتمع الشمل

عفا ربعها من رَسْمِه وطلوله

وأضحى هشيماً روضها بمحوله

فيا هلْ يروِّيها الحيا بهموله

وهل روضها يخضرُّ بعد ذبوله

ويهمي على أوراقه الوبل والطّلّ

لقد شاقني منها كرامٌ أماجدُ

مشاهِدُهم للعالمين مقاصِدُ

فهلْ أنا في تلك المقاعد قاعد

وهل أنا في يوم العروبة قاصد

لحضرة بازٍ شأنها الفصلُ والوصلُ

وهل أنا يوماً ظافرٌ بمقاصِدي

فمكرمُ أحبابي ومكبتُ حاسِدي

وأجري مع الإِخوان مجرى عوائدي

وهلْ كلّ يوم لاثم كفَّ والدي

أبي مصطفى ذي همَّة أبداً تعلو

وهلْ علماءٌ طبَّقَ الأرض علمُهُمْ

وحَيَّرَ أفهام البريَّةِ فَهْمُهُمْ

تَقَرّ بهم عيني وينجاب غمّهم

وهل أدباء الجانبين يضمّهم

وإيَّاي طاقٌ نقله الأَدب الجزل

فأَغدو ولا كانَ التفرُّق لاقيا

وجُوهاً عليها قد بَلَلْتُ المآقيا

بطاقٍ رقى فيمن حواه المراقيا

وذلك طاقُ الشّهم لا زال باقيا

له العَقْد في أرجائه وله الحلّ

وهل يُرِيَنِّي مُصبِحاً كلّ منجب

وخوَّاض أغمارِ الخطوب مجرّب

وكلّ فتًى عذب الكلام مهذّب

وهل يرينّي ذاهباً بعد مغرب

لتكيّة شيخِ العصرِ مَن جَوْرُه العَدل

بناها لأشياخٍ قرارة عِزِّهم

وصَدَّرَهم فيها ولاذَ بحرزهم

وإنْ كانَ لم يفقه إشارة رمزهم

ففيها صدورٌ لازموه لعجزهم

وما ظعنوا بالسير عنه وقد كلّوا

بَلَوّنا سراها بعد إصرام حبلها

فكان من البلوى تعذُّرُ مثلها

ديارٌ عَرَفنا بعدها كنه فضلها

سلام على تلك الديار وأهلها

فهم في فؤادي دائماً أينما حلّوا

يَروقُ لعَيْني أنْ تكونَ جلاءها

وتشتاقُ نفسي أرضَها وسماءها

ومن قال أسلو ماءها وهواءها

فوالله لا أسلو هواها وماءها

إذا كانَ قلبي عندها فمتى أسلو

أحبَّتَنا مِنِّي السلامُ عليكمُ

إذا نُشِرَتْ صحفُ الغرام لديكمُ

أحبَّتنا والدهرُ أبعد عنكمُ

أحِبَّتنا هلْ من وُصولٍ إليكمُ

فقد تعبت بيني وبينكم الرسل

تناءيت عنكم والهوى فيكم معي

كأنْ لم أكنْ منكم بمرأىً ومسمع

وقد طالَ بُعدي عن دياري وأربعي

ألا هِمَّةٌ تُرجى ووصلٌ مُرجّعي

لديكم إذا شئتم به اتصل الحبل

أحِبَّتنا أصبو إلى حسن قولكم

وإنْ ذُقْتُ فيه المُرَّ من حُلو عذلكم

أحِنُّ لمغناكم وسامي محلكم

وإنّي بناديكم على سوء فعلكم

أرى أبداً عندي مرارته تحلو

سألتُ إلهاً لم أخِبْ بسؤاله

بلوغَ المنى من فضله ونواله

وأدعو دعاءَ العيد عند ابتهاله

وأسأل ربي بالنبيّ وآله

يسهّل عَودي نحوكم وله الفضل

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

تصنيفات القصيدة