الديوان » العصر العباسي » مهيار الديلمي »

كم النحت في جنبي والحز في متني

عدد الأبيات : 88

طباعة مفضلتي

كم النَّحتُ في جنبيّ والحزُّ في متني

أما يُشبع الأيامَ ما أكلتْ منّي

تُلاحِمُ ما تَفريه فيّ بما فرَتْ

وتحسِمُ ما تجنِي عليَّ بما تجني

أريها نُدوبي كي ترِقَّ وأشتكي

إليها فلا تأوي بعينٍ ولا أذْنِ

أرئِّفُ منها بالبكا باردَ الحشا

وأحوِي بعُوذاتِ الرُّقَى ماردَ الجنِّ

تسُلُّ جَناحي ريشةً بعد ريشةٍ

وتخلِسُ غصنا من فروعي إلى غصنِ

مصابٌ ولم أمسح يدي من قسيمهِ

وجُلَّى وما نفَّضتُ من أختها رُدْني

كأنّيَ لم يؤمر بغير صروفُها

ولا وجدتْ بالشرِّ مندوحةً عنّي

نُزوعَكِ يا دنيا وصدَّك إنني

سمحتُ بحظّي من هواكِ على ضنِّ

تركتُكِ للمخدوع منك بخالبٍ

من الومْض مسمومِ الحيا صَعِقِ المُزنِ

قليلٌ وإن سرَّ الرياضَ بقاؤها

عليه وما إبقاؤه وهُو المفني

هجرتِك لما صار وصلكِ سُبّةً

وخِفتُكِ لمّا أن دُهيتُ من الأمنِ

وإنك للحَسناءُ وجها وشارةً

ولكنه غدرٌ يشوِّهُ بالحسنِ

فطنتُ لرأي الحزم فيكِ وهمّتي

تشيرُ إلى رأي الضراعةِ والوهْنِ

أُصادَى وتُرمَى صفحتي بخفيّةٍ

تُوَلَّجُ أبوابَ النفوس بلا إذنِ

إذا ما اتقيتُ السهمَ منها بجِلدتي

تنفَّستُه من جلد خِلِّيَ أو خِدْني

وأعلم إن ماطلت بالودّ أنني

على قَرَبٍ لا بدَّ تُدلَى له شَنِّي

فلو كنتُ عَضباً قد فنِيتُ تفلّلاً

ولوكنتُ هَضْباً مال ركني على ركني

أيعلم ما أدَّتْ حقيبةُ رحلهِ

من الشرِّ ناعٍ ليته لم يبلِّغْني

نعَى ثمّ ألقاها إليّ صحيفةً

فضضت إِشاحَيْها وفضَّتْ عُرَى جفني

بدأتُ بها واليومُ أصبحَ مشمساً

وأنهيتُها والعينُ بالدمع في دَجْنِ

كَنَى باسم عِزِّي أنه اغتاله الردى

ونفسي عَنَى لو كان يعلَم من يكني

خليلي إذا اعتلَّ الخليلُ وصاحبي ال

صريحُ إذا ملَّ الفتى صحبةَ الهُجْنِ

فُجعتُ به غضَّ الشمائل والهوى

مسنَّ الحجا والفضلِ مقتبلَ السنِّ

على حين قامت للمنى فيه سُوقُها

وحقَّت شهاداتُ المخايلِ والظنِّ

ورشّحتُه يرمِي الشواكلَ رأيُهُ

ويُغني وأطرافُ الأسنّة لا تُغني

وللخصم يستشري عليَّ سفاهةً

وذي الودِّ يستعلي حؤولا ويستسني

وللكاتم الشحناء يرهبُ حدّه

إذا اهتزَّ دوني والمكاشفِ بالضَّغنِ

وقام بما حمّلتُه ناهضَ الذُّرَى

خفيفَ الصليفِ تامكَ الجنبِ والمتنِ

وتمَّ فسمَّتهُ النجابةُ كاملا

إذا مال في فنّ بها مار في فنِّ

وصرتُ إذا طالبتُ دهري بمثله

طلبتُ وِلاد العُقم من أظهر العُنِّ

ينمّ ارتيادي فيه عن حسن ما أرى

ويفصح غرسي فيه عن طيب ما أجني

ولم أدرِ أن الموتَ فيه مُراصدي

يقرِّفُ ما آسو ويهدِمُ ما أبني

أبا قاسم لبَّيت لو كنتَ سامعا

غراما بصوتي وارتياحا إلى لَحني

على أيّ سمتٍ تقتفيك نشيدتي

وأيّ مسيل أقتري عنك أو رَعْنِ

وهل ينقُلُ السُّفَّارُ أخبارَ هالكٍ

فأَستقربَ الأسفارَ عنك وأَستدني

ترقَّبتُ يوماً من لقائك نجتني

ثمارَ الإياب الحلوِ من غصنه اللَّدْنِ

وداريتُ عيني عنكَ بالوعد والمنى

مماطلَة المأسور يطمَع في المنِّ

كأنّ فراخَ الوُكْنِ بين جوانحي

أقمنَ وطار الأمّهاتُ عن الوُكْنِ

أغار عليّ الدهرُ فيك ولم أخَلْ

نزولَك منقادا بشلٍّ ولا شَنِّ

فلا أنت قُدَّامَ الركاب طليعةٌ

لعيني ولا مستأخر أثرَ الظُّعْنِ

طحَا بك بُعدٌ لا قرابةَ بعده

مسافةَ مقطوع المدَى غَلِقِ الرهنِ

مجاورَ قومٍ لا تجاوُرَ بينهم

تضاحَوا وهم تحتَ الأظلّةِ والكِنِّ

بدائدَ أُلَّافٍ كأنّ قبورَهم

جواثمَ بالبيداءِ معقورةُ البُدْنِ

بعيدٌ على وِرد الحياضِ التقاؤهم

وإن هم تدانَوا في المنازل والقَطنِ

غريبٌ وثاوٍ بين جُدران أهلهِ

لهم قشفُ البيداءِ في ترفِ المُدْنِ

عَذيريَ من أفواهِ دِجلةَ بُدِّلتْ

من الغدِقِ السلسال بالراكدِ الأجْنِ

شربتُ وقد غالتك دمعي وماءها

فما افترقا لي في الملوحة والسَّخْنِ

لصافحتُ من أمواجها كفَّ غادرٍ

سواء عليها الغَمزُ في الرَّخْصِ والشَّثْنِ

روِيتَ بها حتى غدا الريُّ لهفةً

وصافقتَها للفوز فانقدتَ للغَبنِ

وما خلتُ وِرد الماءِ بابا إلى الصدى

ولا أنّ عومَ البحر ضربٌ من الدفنِ

جرت بالقذى من بعد يومك والأذى

ولا ذُكرتْ إلا على السبِّ واللعنِ

وضاقت بها حافَاتُها وتملَّأتْ

جنادلَ تكبو بالقلوعِ وبالسُّفنِ

ويا ليت شِعرَ الحزم كيف ركبتَها

على غَررٍ من لينِ أظهرها الخُشْنِ

وما كنتَ ممن يأكلُ الطيشُ حلمَهُ

ولا من فريس العجزِ عندي ولا الأفْنِ

ذممتك فيها بالشجاعة مقدِماً

ولو قد جبُنتَ اخترتُ حمدي على الجُبنِ

هوَيتَ إليها مطلَقا حان أسرُهُ

فلم يغنَ بالأُفحوصِ عنها ولا الرَّشْنِ

ولو أنه العادي عليك ابنُ لأمةٍ

تسربلَ أو ذو غابة داميَ الحِضْنِ

وقَيتُك لا أخشى يدَ الليث مالئاً

محاجرَه مني ولا صولةَ القِرنِ

وقامتْ رِجالاتٌ فمدَّت أكفَّها

طوالاً فذبتَّ عنك بالضرب والطعن

وألحمتُها شعواءَ يرفُلُ نقعُها

على العلَق المحمرِّ في الأزُرِ الدُّكْنِ

يصُكُّ الكماةَ بالكماةِ مِصاعُها

خِلاطا وترمي بالحجورِ على الحُصْنِ

ولكن نَعانِي فيك من لا أروعُه

بسفك دمٍ يحميك منه ولا جفنِ

هو الفاجع النسرَ المحلِّقَ بابنه

على الطود والضبَّ المنقَّبَ بالمكْنِ

ووالجُ ما بين الفتى وإزارِه

بلا وازعٍ ينهَى ولا رادعٍ يَثني

رقى ما رقى الحاوون لسعةَ نابه

وطبُّوا فلا بالسحر جاءوا ولا الكَهْنِ

أذمُّ إليك العيشَ بعدك إنه

بُضيعَة لا المُغني المفيدِ ولا المقني

أهيم ولم يظفَرْ بعفراءَ عُروةٌ

وأشكو ولم يقدِر جميلٌ على بُثنِ

كأنيَ لم أنظر من الجوّ في ملاً

سواك ولم أُسرع من الأرض في صحنِ

ولا رفعت كفي على إثر هالك

ردائي على عيني ولا قرعت سنّي

بمن أدفع اليوم المريضة شمسه

وليلة غمّي قال همّي لها جنّي

ومن أترك الشكوى به غير قانط

فيحمل عني عبأها غير ممتنِّ

ويعضدني والرأي أعمى مُدَلَّهٌ

ببلجة خطاف البصيرة معتنِّ

سددت مدى طرفي وأوحشت جانبي

من الناس حتى ربت فاستوحشوا مني

وكنت يدي بانت وعيني تعذرت

عليَّ وسيفي ترَّ من خللِ الجفنِ

فأصبحتُ أرمي في العدا غيرَ صائبٍ

بسهم وأرمَى بالأذى غير مجتنِّ

وكم أزلقتني وقفة بين حاسدي

وبيني وأعيتني فقلت لك ارشدني

ومرهِقة أعددت بِرَّك بي لها

فكنت أخي فيها كأنك كنت ابني

فلا قلت يا نفسي بخلٍّ تأنسي

ويا كبدي حنّي إلى سكنٍ حنِّي

مضى من به بعت الورى غير جاهل

بربحيَ واستوحدته غير مستثني

ثويت وأبقيت الجوى ليَ والأسى

فموتك ما يبلي وعيشيَ ما يفني

كأني كنزت الذخر منك لفاقتي

بفقدك واستثمرت من غبطتي حزني

هَنَا التُّربَ في قُوسانَ أنك نازلٌ

بأدراجه إن بُشِّرَ التُّربُ أو هُنِّي

تطيبُ بك الأرضُ الخبيثُ صعيدُها

ولو فطنتْ أثنت عليك كما أُثني

وزارك محلولُ الوديعةِ مسبِلٌ

رفيقٌ على فرط الوكيفةِ والهَتْنِ

أحمُّ شَماليٌّ كأنَّ غمامَه

سُروبُ ظباءٍ أو ندائفُ من عِهْنِ

إذا اختلفت أرضٌ خُفوضا ورفعةً

طغَى شامخا فاستبدل السهلَ بالحَزْنِ

تألَّت لك الأنواءُ أن ليس بعده

عقابيلُ في حوزٍ لهنّ ولا خَزْنِ

تَصُوبُ وأبكى دائبيْن فإن ونت

ففوِّض إلى دمعي وعوّل على جفني

معلومات عن مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار بن مرزويه؛ أبو الحسن (أو أبو الحسين) الديلمي". شاعر كبير؛ في معانيه ابتكار. وفي أسلوبه قوة. قال الحر العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم. وقال الزبيدي: شاعر..

المزيد عن مهيار الديلمي

تصنيفات القصيدة