الديوان » العصر العباسي » مهيار الديلمي »

جم لها الوادي وعز الذائد

عدد الأبيات : 115

طباعة مفضلتي

جَمَّ لها الوادي وعزَّ الذائدُ

وطاب ما حدَّثَ عنها الرائدُ

فخلِّها راتعةً مجرورةً

وراءها الأرسانُ والمَقاودُ

يُخلِفُ ما استُسلفَ من جِرَّاتها

كهلٌ أثيثٌ ومَعينٌ باردُ

حيثُ المغيرُ لا ينالُ فرصةً

منها ولا يطمعُ فيها الطاردُ

تذبُّ عنها من سِماتِ ربّها

صوارمٌ ليس لها مَغامدُ

إذا بدت في عُنُقٍ أو حارِكٍ

فهي عليها أعينٌ رواصدُ

ونَمْ فقد حرَّمَها هذا الحمى

وضمَّها وهي دُخَان شاردُ

وأعجزَ الناسَ جميعاَ رَعْيُها

فاليومَ يرعاها جميعاً واحدُ

أَرْوَعُ لا يغلِبُه المكرُ ولا

تدِبُّ في حريمه المَكايدُ

أعارها عيناً فكانت عُوذَةً

لها وشيطانُ الزمان ماردُ

أفرشَها كافي الكفاةِ أمنَهُ

فالظلُّ سَكْبٌ والنسيمُ باردُ

دانَ بتاجِ الحضرةِ الدهرُ لها

وحلَّ حبلَ الذلِّ عنها العاقدُ

وصدَّقَتْ أَن الربيعَ بعدَها

بوارقٌ من يده رواعدُ

غاصتْ غصونُ المجد تحتَ مائها

فأورقَ الذاوِي وقام المائدُ

وضَحِكَ القاطبُ من وجه الثرى

وسالَ وادي المكرُماتِ الجامدُ

وبشَّر الفضلُ بقايا أهلِهِ

لا تقنطوا في الناسِ بعدُ ماجدُ

نقل لأبناء الطِّلاب والمنى

والحاجِ ضاقتْ بهم المَقاصدُ

يتاجرون المجدَ فتخيسُ في

أيديهم البضائعُ الكواسدُ

تضمُّكم حَنوَتُهُ وأنتُمُ

عِزُونَ في الآفاق أو بدائدُ

زَمَّ الأمور فلَوَى أعنافَها

ساعٍ إلى الغايات وهو قاعدُ

ودبَّر الدنيا على عِلاَّتها

فصَلَحَتْ والدهرُ دهرٌ فاسدُ

ماضٍ له من عزمه مجرَّدٌ

يذُبُّ من جهلِ الزمانِ غامدُ

يَرَى بوجهِ اليوم صدرَ غدِهِ

تُعطيه ما في المَصدرِ المواردُ

لا يأخذ التدبيرَ إلا مِن عَلٍ

فالناسُ ينحطُّون وهو صاعدُ

رأى انتهاءَ مجدِهِ مبتدَأً

لَمّا أعانَ الكفَّ منه الساعدُ

أسهرَهُ حبُّ العلا منفرِداً

وهو على ظنِّ العيون راقدُ

جَدَّ وقاراً والزمانُ هازلٌ

وجادَ عفواً والسحابُ جامدُ

ولاحَ في المُلك شِهاباً فوَرَى

زنادُهُ والمُلكُ نجمٌ خامدُ

منتصراً بنفسه لنفسه

كالليث يشرَى ما لَهُ مساعدُ

لا يَملكُ الحفظُ عليه أمرَهُ

ولا تُفرِّي حِلمَه الشدائدُ

يُنهضِه الكمالُ من أثقالِهِ

بأوسُقٍ تلفِظها الجلامدُ

مدَّ على الدولةِ من جناحه

ما مدَّ عطْفاً لبنيه الوالدُ

حتى استقامتْ وهي بَلهاءُ الخُطَا

عمياءُ ما بين يديها قائدُ

كم قدَمٍ قبلَك قد زَلَّتْ بها

ضُعفاً وكفٍّ لم يُطِعها الساعدُ

وضابطٍ لم يُغنِهِ لَمّا طغتْ

أدواؤُها التجريبُ والعوائدُ

يَحرُسها وليس من حُماتِها

مثلُ الشَّغَا ينقُصُ وهو زائدُ

جاءت على الفَتْرةِ منه آيةٌ

معجِزةٌ قامت بها الشواهدُ

مَوهِبةٌ فاجئةٌ لم تُحتَسَبْ

ولم تسوِّفْه بها المَواعدُ

كنتَ خبيئاً ترقُبُ الأيامُ في

إِظهارِه المِيقاتَ أو تراصِدُ

كالنارِ في الزّند تكون شَرَراً

بالأمس وهو اليومَ جمرٌ واقدُ

فأبرزتْك للعيونِ كوكباً

يَزهَرُ لم تَجرِ به العوائدُ

يَفديك محظوظون وجهُ عجزِهم

بِغَلَطِ النّعمة فيهم شاهدُ

قد سَرَق الدهرُ لهم سيادةً

ليس لها من المَساعي عاضدُ

تَنافَرُ الأقلامُ عن أَيمانهم

وتَقشعِرُّ منهم الوسائدُ

لم يَنظِموا المجدَ كما نَظَمتَهُ

ولا حلَتْ عندهم المحَامدُ

ولا أَعان طارفاً من حظّهم

مجدُ أبٍ مثلِ أبيك تالدُ

وخيرُ من شاد الفخارَ رافعٌ

أُسرَتُهُ لِمَا بَنَى قواعِدُ

وبعضُ علياءِ الفتى مَكاسبٌ

بنفسه وبعضُها مَوالدُ

وليهنِكَ الأمرُ الذي ذلَّ به

لك العزيزُ وأقرّ الجاحدُ

ولاَنَ في يديك منهُ مرِسٌ

مُلاوِذٌ مَن رامَهُ مُحايدُ

يَنقُصُ من قدرِك وهو فاضلٌ

على وِسيعات الأماني زائدُ

ومُشرِفاتٌ فُضُلٌ لبِستَها

تَزْلُقُ عنها المُقَلُ الحدائدُ

كلِبدةِ الليثِ وَسَطاً وحسنُها

كالوشي تُكساهُ الدُّمَى الخرائدُ

لو كانت الأفلاكُ أجساداً لَمَا

كان لها من مثلها مَجاسِدُ

باطِنة وظاهر جمالُها

فالحسنُ منها غائبٌ وشاهدُ

تَسحَبها في الأرض ولفخْرها

مَعالِقٌ في الجوّ أو مَعاقدُ

وكالسماء عِمّةٌ صِبْغَتُها

قد جاءها من الزمان وافدُ

مقدودةٌ منها ومن نجومها

في طَرَفَيْها سائرٌ وراكدُ

إن لم تكن تاجاً فقد أكسبَهَا

نورُك ما لم يُكسَ تاجاً عاقدُ

وضاربٌ إلى الوجيهِ عِرْقُهُ

بأربع تَشقَى بها الأوابدُ

من اللواتي نَصَرَتْ آباءَها

في السبق أمّهاتُها الردائدُ

وصَبَحَتْها بالصريفِ عُلَباً

قبلَ عِيالِ ربِّها الولائدُ

خاضَ الظلامَ فاهتد بغُرّةٍ

كوكبُها لمقلتيه قائدُ

يجاذبُ الريحَ على الأرض ومِن

قلائدِ الأفْقِ له قلائدُ

حَلْيٌ من التبرِ إذا خَفَّ بها

أُثقِلَ فهو تحتها مُجاهدُ

ينصاعُ كالمرّيخ في التهابِهِ

وأنت فوق ظهره عُطاردُ

غرائبٌ من الحِباءِ جُمِعَتْ

بها لك الفوارِكُ الشوارِدُ

تبرَّعَ المَلْكُ بها مبتدئاً

وكلُّ بادٍ بالجميل عائدُ

قد كنتُعيَّفتُ لك الطيرَ بها

مستيقِظاً والحظُّ بعدُ هاجدُ

وبَرَقَتْ لي في المنى سيوفُها

من قبلِ أن تُبرِزها المَغامدُ

عِلْماً بما عندَك من أَداتِها

وأَنها سيفٌ وأنت ساعدُ

فلم يَخُنِّي فارسُ الظنِّ ولا

غَرَّتْنِيَ المَخَايِلُ الشواهدُ

وبعدُ لي فيك رجاءٌ ناظرٌ

إلى السماء وحسابٌ زائدُ

حتى يُشَقَّ للزمان رمسُهُ

وأنت باقٍ والعلاءُ خالدُ

بك استقاد الفضلُ ودماؤه

مطلولةٌ وعَزَّ وهو كاسدُ

نصرتَهُ والناسُ إمّا جاهلٌ

بحقِّه او عارفٌ مُعاندُ

ورِشْتَ من أبنائه أجنِحةً

طار حَصيصاً ريشُهُ البدائدُ

تعطِي وأنت مُعدِمٌ وإنما

يُعطِي أخوك البحرُ وهو واجدُ

زرعتَ عندي نعمةً سالفةً

أنت لهذا الشكر منها حاصدُ

عَطفاً على ذكرى ووصفاً فخرُهُ

باقٍ عليَّ والزمانُ بائدُ

ونَظَراً بَدأْتَني برأيه

لو أن باديه إليّ عائدُ

لكن أردتَ الخيرَ لي ودونه

حوائلٌ من زمني حوائدُ

فهل لأرضي لك أن تَبُلَّها

على الجُدوب سُحْبُك الجوائدُ

غَرَسْتُ منك بالولاء والهوى

غرْساً فماذا أنا منه حاصدُ

اُنظرْ فقد قدَرتَ في مَظْلَمةٍ

كنتَ على إنصافها تعاهدُ

واقضِ ديونَ المجد فيها وارعَ لي

ما تقتضي الأواصرُ التوالدُ

ولا تكن حاشاك من معاشِرٍ

تَخذُلُ أقوالَهم العقائدُ

كانوا يدي وريحُهم راكدةٌ

وأُسرتي والحظُّ عنهم عاصد

فحين هبّت عاصفاً رياحُهم

قلَّ الوفيُّ ونَأَى المساعدُ

غَنيَّتُ أَنْ أسكرَني جفاؤهم

وفي غِنائي لَهُمُ عَرابدُ

وبخُلاء لا تُهنَّا نعمةٌ

هُمُ إليها السُّبْلُ والمَقاصدُ

إذا كَرُمتَ لؤموا سَفارَةً

وإن قرُبتَ فَهُمُ أباعدُ

تُغالِقُ الأرزاقَ أيمانُهُمُ

تَضجُّ من مطلِهم المَواعدُ

لا يُرتَجى حُكمُ القريض بينهم

ولا يُخاف اللَّغْو والعَرابدُ

وكيف أبغِي في النَّبيطِ منهُمُ

والعُجمِ أن تنفَعني القصائدُ

تلافَ بالفضلِ الوسيعِ ما جَنَى

مُسلِمُهم عليّ والمُعاهدُ

حاشاك يشقَى واحدٌ بفضلِهِ

على زمانٍ أنتَ فيهِ واحدُ

قد طال صوني سمعَك المشغولَ عن

بثِّك ما ألقى وما أكابدُ

ونَقَبَتْ جسمي وقلبي صابرٌ

من زمني نيوبُهُ الحدائدُ

ولم يدعْ تحت الخطوب فَضْلةً

فيّ تدبُّ نحوها الأوابدُ

وأَعوزَ المُقامُ أن أَسْطيعَهُ

وسُدِّدَتْ عن سيريَ المَقاصدُ

أيقتُلُ الزمانُ مثلي هَدَراً

وأنت ثأري والزمانُ عامدُ

أنت بفضلي شاهدٌ فلا أمتْ

هَزْلاً وتضييعاً وأنت شاهدُ

أعدْ مع الإثقالِ نحوي نظرةً

تَنعِشني لحاظُها الردائدُ

لعلّها يا خيرَ مَن يُدعَى لها

تَصلُحُ شيئاً هذه المفاسدُ

وابتعْ بها الشكرَ فعندي عَوضٌ

تَضْمَنُهُ القواطنُ الشواردُ

كلّ مطاعٍ أمرُها مسلِّطٌ

في الشعر ملقاة لها المَقالدُ

سائرة تنشرها الركبانُ أو

عامرة بذكرها المَشاهدُ

تَرى الكلامَ عَجُزاً وطَرَفاً

وكلُّها وسائطٌ فرائدُ

إذا رأتْ عِرض كريمٍ عاطلاً

فهي له العقودُ والقلائدُ

تحمِلُ من وصفك ما يحمِلُهُ

عن روضة الحَزْنِ النسيمُ الباردُ

طالعة بها التهاني أنجماً

ما كرَّ نوروزٌ وعيدٌ عائدُ

يفنى بنو الدنيا وأنت مَعَها

باقٍ على مرّ الزمان خالدُ

تَبقَى عليك والذي نأخذهُ

من الجزاءِ مضمحِلٌ بائدُ

مَحامِدٌ يحسُدُك الناسُ لها

والناسُ إما حامدٌ أو حاسدُ

معلومات عن مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار بن مرزويه؛ أبو الحسن (أو أبو الحسين) الديلمي". شاعر كبير؛ في معانيه ابتكار. وفي أسلوبه قوة. قال الحر العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم. وقال الزبيدي: شاعر..

المزيد عن مهيار الديلمي

تصنيفات القصيدة