الديوان » العصر العباسي » مهيار الديلمي »

أغش بآمالي كأني أنصح

عدد الأبيات : 85

طباعة مفضلتي

أُغَشُّ بآمالي كأنّيَ أُنصحُ

وأبقَى لأشقىَ بالبقاء وأفرحُ

وأصبو إلى وجهٍ من الدهر مسفرٍ

ضحوكٍ ووجهي في الخِمار مكلّحُ

ويعجبني إملاء يومٍ وليلةٍ

وما الموتُ إلا غابقٌ أو مصبَّحُ

مَطلتُ بدَيني والغريمُ مصمِّمٌ

وأحسنتُ ظنّي والمسيءُ مصرِّحُ

تُدَمِّي المنايا الناسَ حولي وإنما

دمي ذاك في أثوابهم يتنضَّحُ

وأسلو إذا أبصرتُ جِلديَ أملساً

وما صحّةٌ في الجلدِ والقلبُ يُجرَحُ

إذا مرَّ يتقري مَن الهالكُ الردَى

يميِّلُ في أبنائه ويرجِّحُ

تطامنتُ أرجو أن أفوتَ لحاظه

فأخفَى وعينُ الموت زرقاءُ تلمحُ

وقد غرّني ليلُ الشباب فأين بي

أضلَّ وفجرُ الشيب عُريانُ مصبِحُ

واقرب شيء من قضيبٍ جُفوفُهُ

إذا الورقاتُ الخُضرُ ظلَّتْ تَصوَّحُ

تتيَّمَ بالعُمرِ الجِذاعُ وخانهم

فما ليَ أرجو ودَّه حين أَنزحُ

وقد كان قدّامي مدىً منه يُرتجَى

هو اليومَ مُلقىً من ورائِيَ يُطرَحُ

حسوتُ بمُرِّ الدهر حبّاً لحلوه

فطوراً يُصفِّي لي وطوراً يُصبِّحُ

إذا برَّني في صاحبٍ بزَّ صاحباً

أغنِّي بشعري تارةً وأنوِّحُ

أبيحُ الترابَ أوجهاً كان مُسخِطي

على الشمس منها الساهمُ المتلوِّحُ

وأحثو بكفّي أو أشقُّ حفيرةً

يُهال على قلبي ثراها ويُضرَحُ

ترى الحق مطروفاً وتعشى لواحظٌ

يراقصها هذا السرابُ الملوِّحُ

يودُّ الفتى أن البسيطةَ دارُهُ

وما فوقها مالٌ عليه يروَّحُ

وسيعةُ بطنٍ جلَّ ما هو مُحرِزٌ

ومطرحُ جنبٍ جَهدَ ما يَتَفسّحُ

تبايعنا الدنيا مُنىً بنفوسنا

فتوكسُ غَبناً والمُبايع مُصلِحُ

فلا نحن من فرط الخسارةِ نرعوي

ولا هي ترضى فرطَ ما هي تَربحُ

فما لكِ يا دنيا وأنتِ بطينةٌ

ونحن خِماصٌ تبخلين ونسمحُ

ألا طرقتْ لا يملأ الليلُ صدرَها

ولا تتحاشى صارخاً حين تَصْبحُ

مغلغِلةً لا طودَ يعصمُ ما ارتقت

ولا موئلٌ من حيث تهبِطُ أبطحُ

وَصولاً إلى البيت الذي تستضيفه

ولا مُوقدٌ يُورِي ولا كلبَ ينبحُ

لها من قِرىً ما استصلحتْ وتخيَّرتْ

حشايا تُوَطَّى أو صفايا تُذَبَّحُ

أصابت صريحَ المجد من حيث ينتمِي

وغضّت لحاظَ الفضل من حيث تطمحُ

وحلَّت فحكّت بَرْكَها من محمدٍ

بجانب ركنٍ لم يكن قبلُ يُنطَحُ

قويمٍ على عرك الخطوب فما له

وقد زحمته زحمةٌ يتطوَّحُ

سلا مُقعصَ الأقران من أيِّ طعنةٍ

تَقَطَّر عن ظَهر الكفاية يُطرَحُ

وقاطِعَ مَثْناةِ الحبال حرانُهُ

بأيّ زمامٍ قِيدَ يعنو ويُسمِحُ

ومَن هُزَّ من بين الوسائد طودهُ

وفي دسته ثهلانُ لا يتزحزحُ

وقولاً وإن لم يخرق التربَ صائحٌ

إليه ولم يفهم صدَى الأرضِ موضِحُ

أبا حسنٍ أمّا الرجاءُ فخائب

وأما الرجا فيما نعاك فمنجَحُ

حملتُ الرزايا جازعاً ثمّ صابراً

على ذاك حسنُ الصبر بعدك يقبُحُ

وواصلتُ من أحببتُ ثم فقدتهُ

فما نازلٌ إلا وفقدُك أبرحُ

ذكرتُك إذ غَصّ النديُّ فلم يُشرْ

نَصيحٌ ولم ينطق لسانٌ مُفَصِّحُ

ولا أضمرتْ صدقاً مَعاقدُ حبوةٍ

جثا بفخارٍ ربُّها يتبجَّحُ

وقد غاض بحرٌ كان فكرك مدَّه

وأُرتجَ بابٌ كان في فيك يُفتَحُ

وقد جاء نجمٌ من جُمادَى بلَيلةٍ

بلَيلٍ يريك الطولُ أن ليس تُصبحُ

يسائلُ عن أطناب بيتك ضيفُها

ردائدَ خطفِ البرقِ فيما تُلوِّحُ

تعيَّفَ طيراً بارحاتٍ يَسَرنَهُ

بفقدك قد كانت ميامينَ تَسنحُ

فبات صعيدُ الأرضِ والريحُ زادُهُ

شقيّاً بما يَستافُ أو يتنفَّحُ

بليلة بؤسٍ فات مُعتامَها القِرَى

كما فاتها منك المصلِّي المسْبِّحُ

وللأمر كنتَ الليثَ إما حفِظتَهُ

تَعاوَتْ تَعاطاه ثعالبُ تَضبَحُ

رُعِي بعدك الشِّقُّ الذي كنت حامياً

له وعتا الخَرقُ الذي كنت تَنضَحُ

وخُلِّيَ للعجز التنافسُ واستوى

على الجهل سَرحٌ سائمٌ ومُسرَّحُ

وقام رجالٌ كان فضلُك مقعِداً

لهم فتراءوا للعلا وترشَّحوا

بلا عائبٍ تُزرِي على سيئاتهم

محاسنهُ والنقصُ بالفضل يُفضَحُ

لئن حَرَصوا فيما عَمَرت تعافُه

فربَّتَ ساعٍ للدنيّة يكدحُ

تمالَوا على ماكنتَ تأباه أوحداً

ومَنّوا بما استضعفتَه وتمدَّحوا

وما ازدحموا أن القذى بعدك انجلى

عن الماء لكن يشربون وتَقمَحُ

فداكَ وهل حيٌّ فداءٌ لميّتٍ

قصيرُ الخطا يكبو بما كنتَ تجمحُ

تعجَّبَ لمّا ساد من حظِّ نفسه

وقد يُدرِك الجَدُّ الدنيَّ فيُفلِحُ

ولمّا رأيتَ الدهرَ ضاقت ضلوعُه

بحملك وهي للئام تَفَسَّحُ

أنفتَ من الدنيا الذليلةِ عارفاً

إذا عيشةٌ ضامتك فالموت أروحُ

وذكّرنيك الودُّ أحليتَ طعمه

وأصفيتَ فهو الآن يَقذَى ويَملَحُ

ضَربتُ عن الإخوان صفحاً مؤملاً

بأن الردى لي عنك وحْدَك يصفحُ

وأغنيتني ودّاً ورفداً بحاجةٍ

من اليوم ما أرتادُ أو أتمنَّحُ

أعلّل نفسي عنك لو أن مُسقَماً

يُفيق بنوعٍ من جوىً أو يُصبَّحُ

وأرقَعُ أيّامي أروم صلاحَها

وقد فسد العيشُ الذي كنت تُصلِحُ

سألتُ بك الأيّام أرجو مسرّةً

فلما أَبت إلا التي هي أترحُ

ضحكتُ إلى ناعيك أحسب أنه

وقد جَدَّ إكباراً ليومك يمزحُ

عفا ربعُ أنسي منك ضيقاًن وما عفا

بساحةِ قلبي منزلٌ لك أفيحُ

به ساكنٌ من طيبِ عهدك عامرٌ

يُريح عَزيبَ الحُزن من حيث يَسرحُ

إذا ذبَلَت فيه على الصبر جمرةٌ

خموداً ورَى زندٌ من الذِّكر يَقدَحُ

وذاك اللسانُ الرَّطبُ لا زال في فمي

هو اليومَ يرثِي مثلَه أمسِ يَمدحُ

يقول وإن لم يُغنِ عنك وإنما

ملأتَ إناءً نعمةً فهو يرشحُ

ولو رُدَّ قبلي الموتُ بالشِّعر أو مضى

شَبا لَسِنٍ أو عاش في الدهر مُفصِحُ

نجا لائذاً بالعزّ في غير قومه

وقد سبق الناسَ الغريبُ المقرَّحُ

ومستنزلُ النعمان عن سطواته

بما يَنتقِي من عِذرةٍ وينقِّحُ

وعُروةُ لم يُصغِ الردى لنسيبه

ولم يُعطَ في قَيسٍ مناه الملوَّحُ

وغيّر غيلانُ المهاري بعَنسِهِ

فلم تُنجه من عَدوةِ الموتِ صَيدَحُ

ولكنه شَرطُ الوفاء وغمّةٌ

على الصدر باستخراجها أتروَّحُ

ذممتُ فؤادي فيك والحزنُ محرقٌ

وعاتبتُ جفنَ العين والدمعُ مُقرِحُ

وما عجبٌ للدمع أن ذَلَّ عزُّه

فما جَمّ إلا أنه لك يُنزحُ

وأُقسمُ ما جازاك قلبٌ بما طوَى

غليلاً ولا قولٌ يطولُ فنشرحُ

ولا كان في حكم الوثيقة أن أرى

عليك الثرى كَلاًّ وجسمِيَ رَيِّحُ

وما أنا إلا قاعدٌ عن فضيلةٍ

إذا قمتُ فيها مائلاً أترنَّحُ

سقاك وإن كان الثرى بك غانياً

عن السحب غادٍ بالحيا متروِّحُ

حَمولٌ لماء المزن تطفو لصوبه

فواغرُ أفواهِ الجِواءِ فتَطفَحُ

إذا خار ضعفاً أو تراخَى حَدتْ به

مَواقرُ من نوءِ السماكين دُلَّحُ

يُجفِّلُ طردُ الريح فيها كأنها

سفينٌ جَوارٍ أو مَراسيلُ جُنَّحُ

شجاعٌ كأنتَ أو جوادٌ بمائه

فإن عاقه ضنٌّ فعينيَ تَسفَحُ

ليعلمَ قبرٌ بالمدينة أنني

من الغيثِ أَوْفَى أو من الغيثِ أَسمَحُ

معلومات عن مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار بن مرزويه؛ أبو الحسن (أو أبو الحسين) الديلمي". شاعر كبير؛ في معانيه ابتكار. وفي أسلوبه قوة. قال الحر العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم. وقال الزبيدي: شاعر..

المزيد عن مهيار الديلمي

تصنيفات القصيدة