الديوان » لبنان » سليمان البستاني »

خدعته فاغتر واجتر جهلا

خَدَعَتهُ فاغتَرَّ واجتَرَّ جَهلا
هَائِلَ القَوسِ مِن جَفِيرٍ تَدَلَّى
كانَ بينَ الجِبال يَقنِصُ قَبلا
فَلَدَيهِ تَيسٌ مِنَ الصَّخرِ وَلَّى
فَرَماهُ بِصَدرِهِ مُفتَلاَّ
طُولُ قَرنَيهِ بالغاً كانَ قَدرا
مِن قِياسِ الأَشبَارِ سِتَّةَ عَشرا
مِنهُما عِندَ صانِعٍ ذاعَ ذِكرا
أَكمَلَ القَوسَ آلةً لَيسَ تبرا
طَرَفَيها بِخَالِصِ التِّبرِ حَلَّى
فَأَتاها مُوَقِّعاً باعتِناءِ
وعَلى الأَرضِ مَدَّها باتِّكاءِ
وذَوُوهُ بمَنعَةٍ واتِّقاءِ
خَشيَةً أَن تُبلي سُرَى الأَعداءِ
ومِنَيلا ما نالَ جَرحاً وقَتلا
ثُمَّ مِن واسعِ الكِنانَةِ أَخرَج
سَهمَ بُؤسٍِ مُقَذَّذاً يَتَرَجرَج
فَوقَ مضتَنِ الأَوتارِ بالفُوقِ أَولَج
وانثَنى يَنذُرُ الذَّبِيحَ المُدَبَّج
مُذ يُوَافي بِلادَهُ مُحتَلاَّ
ثُمَّ فَرضَ المَرِيشِ بِالعُنفِ أَمسك
وإلى صَدرِهِ السَّرِيَّةَ أَضنَك
قُوِّسَت قَوسُهُ وَلم تَتَفَكَّك
فرَمى رُنِّنَت وفي السَّهمِ نَيزَك
في فَسِيحِ الفَضاءِ قد غَلًّ غَلاَّ
يا مَنِيلاَ طوباكَ أهلُ الخُلُودِ
دَفعُوا عَنكَ كُلَّ بُؤسٍ شَدِيدِ
فَأَثِينا وَقَتكَ سَهمُ الحدِيدِ
مِثلَما الأُمُّ وابنُها في هُجُودِ
عَنهُ جَمعَ الذُبابِ تَدفع مهلا
هِيَ بالنَّفسِ وَجَّهَتهُ فَمالا
لعُرى عَسجَدِ الحَمائِلِ حالا
حَيثُ ثِقلُ النُّضَارِ كالدِّرعِ حالا
إِنَّما السَّهمُ قَطَّعَ الأَوصالا
فَلَّها وَالِجاً وفي الدّرعِ حَلاَّ
وَجَرَى نافذاً لِجَوفِ حزَامِ
قد وَقاهُ مِن غابِرِ الأَيَّامِ
شقَّهُ خارِقاً إِلى الآدامِ
وَلَجَ الجِلدَ وَهوَ بِالجُرحِ هامي
بِدَمٍ أَسوَدٍ تَعَكَّرَ شَكلا
ضَرَّجَ الفَخذَ ثُمَّتَ الساقَ خَضَّب
وبَهِيَّ الرِّجلَينِ لَوناً مُحَبَّب
مِثلَمَا بِرِفيرٌ على العاجِ يُسكَب
غِيدُ قَريا وإِيمِيُونَةَ تَرغَب
فيهِ صِبغاً للخَيلِ حَلياً يُدَلَّى
فيهِ قَد زِنّ مَنزِلاً بادِّخارِ
لَم يَنَلهُ إِلاَّ عَزِيزُ المَنارِ
فَهوَ فَخرُ الفُرسَانِ آلِ الفِخَارِ
ومنالُ المُلوكِ يَومَ الطَّواري
ليسَ يَرجُوهُ بَينَهُم مَنِ ذَلاَّ
فَأَغامَمنُونٌ دَنا وَتَحَقَّق
ذَلِكَ الجُرحَ كادَ بالنَّفسِ يَشرَق
وَمِنَيلا بِبَادىءِ الأَمرِ أَشفَق
فَرأَى النَّصلَ مائِلاً كادَ يَزلَق
فَتَرَوَّى مُستَبشِراً مُهتَلاَّ
ضَجَّ قَومُ الإِغرِيقِ يطلُبُ حقَّا
وأَخُوهُ استَشاطَ غَيظاً وَرِقَّا
يَدَهُ ممسِكاً أَفاضَ وأَلقى
يا شَقِيقَ الفُؤَادِ قُل أَلِتَلقَى
حَتفَكَ اليَومَ رُمتُ ذا الوَفقَ شُغلا
ورَضِيتُ النِّزالَ فيهِ تُنادي
وَحدَكَ الآنَ في بَني طُروادِ
قد رَمَوا عَن تَجبُّرٍ وعِنادِ
وبِنكثٍ داسُوا سَدادَ العهِادِ
إِنَّما النَّكثُ سَوفَ يُمطِرُ خَذلا
وَفقُنا والأَيمَأنُ والخَمرُ حاشا
ودِماءُ الكِباشِ أَن تَتَلاشى
فإِذا زَفسُ غَضَّ طَرفاً وَما شا
يُوقِعُ اليَومَ سوفَ يَنهَضُ جاشا
ويُسِيلُ الدِّماءُ مِنهُم وَبلا
سَوف يَلقَون عَنهُ شَرَّ العِقَابِ
ويُلَقَّونَ مِنهُ قَطعَ الرِّقَابِ
وبَنُوهُم وأَهلُهُم بِانتِحابِ
تَجرَعُ المَوتَ في شدِيدِ العَذابِ
فَعَلى ذا عَقلي وقَلبيَ دَلاَّ
وكَأَنِّي بِزَفسَ غِيظَ وَأَنَّا
ثُمَّ هاجَ البَلا ورَجَّ المِجنَّا
هُوَ للنَّاسِ حُرمَةَ العَهدِ سَنَّا
خَرَقُوها فسَوفَ يَنقَمُ عَنَّا
وَبِإِليُونَ يُهبِطُ الوَيلَ ثِقلا
وإِذا ما لَقِيتَ مَوتاً عَجُولا
ولأَرغُوسَ أَغتَدي مَخذُولا
تَتَلَظَّى نَفَسي شَجىً يا مَنِيلا
إِذ جُنُودُ الإِغرِيقِ والصَّبرُ عِيلا
وَطَناً عَزَّ يَذكُرُونَ وأَهلا
لا يُجِلُّونَ منكَ عَظماً دَفينا
ظَلَّ مُلقىً لَدَى حَما إِليُونا
وَبِهِيلانَةَ العِدى خالُونا
فَلنا الخَيبَةُ العَظيمَةُ هُونا
وَلَهُم ناطِقُ الشَّماتَةِ عَذلا
وَيَقُولُونَ عِندَ قَبرِكَ لُؤما
آعَممنُونُ هَكَذَا انحَطَّ عَزما
ظَلَّ في النَّحرِ كَيدُهُ الدَّهرَ حَتما
قادَ جَيشاً عَرَمرَماً مُدلَهِمَّا
فانثَنَى مُفعَماً وَبالاً وأَجلى
عادَ عن حَربِنا بفُلكٍ خوَالي
لَم يَنَل غَيرَ خَيبَةِ الآمالِ
وأَخُوهُ في التُّربِ والعَظمُ بالي
لُجَّةَ الأَرضِ إِن يَكُن ذَا مآلي
فابلعيني واخفِي ادّكارِيَ أَصلا
فَمنَيلا بِعِزَّةِ النَّفسِ سَكَّن
رَوعَهُ قالَ فاحذَرِ الجَيشُ يُحزَن
فِيَّ ذَا السَّهمُ قَطُّ لَم يَتَمكَّن
قد وَقَتني العُرَى ودِرعي المُبَطَّن
وحِزَامُ الحَديدِ أَوقَفَ نَصلا
قالَ عَلَّ المَقالَ بالفأل صَحَّا
وَلنَرُم آسِياً لِيَسبُرَ جُرحا
وَليُخفِّف بِبَلسَمِ البُرءِ بَرحا
فعسَانا نَلقَى لِمسعَاه نُجحا
ثُمَّ نادى بِتلثِبِيُّوسَ رَحلا
لِمَخاوُونَ أَسقَلِيبَ النِّطاسي
سِرو أَحضِرهُ مُسرِعاً خَيرَآسِ
لِمَنِيلا المُقَدَّمِ النِّبرَاسِ
فَيَرَى جُرحَ نابِلٍ ذا باسِ
نالَ فَخراً ونَحنُ قَهراً ونَكلا
سَمِعَ الفَيجُ مِنهُ أَمراً وَلّبَّى
بَينَ قَومِ الإِغرِيقِ يَنهَبُ نَهبا
يَتَقَصَّى مُستَطلِعاً مُشرَئِبَّا
فَرآهُ بالعَزمِ يَشتَدُّ قَلبا
بَينَ أصحابِهِ مُجَلاًّ مُعَلَّى
فَأَتاهُ مُقَطَّعَ الأَنفاسِ
قالَ ذا الطَّولِ لَبِّ يا خَيرَآسِ
لَمِنِيلا المُقَدَّمِ النِّبرَاسِ
فَتَرَى جُرحَ نابِلٍ ذا باسِ
نالَ فَخراً ونَحنُ قَهراً وَنَكلا
رَقَّ قَلبُ الطَّبِيبِ حُزناً ولَجَّا
يَصحَبُ الفَيجَ بالفَيَالِقِ فَجَّا
أَلفَياهُ كالرَّبِّ والجَمعُ عَجَّا
حَولَهُ في أَماثِلِ الصِّيدِ ضَجَّا
فَلَهُم فَرعُ أَسقَلِيبَ تَجَلَّى
سحَبَ السَّهمَ مِن رِباطِ الحَمائِل
كُسِرَ النَّصلُ وَهوَ بِالرَّأسِ مائل
حَلَّها ثُمَّ حَلَّ دِرعَ الغَلائِل
وحِزَاماً دُونَ المَقَاتِلِ حائِل
بُذِلِّ الجَهدُ فِيهِ بالصُّنعِ بَذلا
سَبَرَ الجُرحَ والدَّمَ امتَصَّ جَرَّا
وعَلَيهِ شافي البَلاسِم ذَرَّا
ذاكَ سِرٌ خِيرُونُ قَبلُ أَسَرَّا
لأَبِيهِ فَكانَ من ثَمَّ ذُخرا
عَمَّ كُلَّ الأَنامِ خَيراً وفَضلا

معلومات عن سليمان البستاني

سليمان البستاني

سليمان البستاني

سليمان بن خطار بن سلوم البستاني. كاتب وزير، من رجال الأدب والسياسة، ولد في بكشتين (من قرى لبنان) وتعلم في بيروت. وانتقل إلى البصرة وبغداد فأقام ثماني سنين، ورحل إلى..

المزيد عن سليمان البستاني

تصنيفات القصيدة