الديوان » فلسطين » محمود درويش »

ربِ الأيائل ياأبي .. ربها

.... مُسْتَسْلماً لخُطى أَبيكَ ذَهَبْتُ أَبحثُ عنكَ يا أَبتي هناكْ
عند احتراق أَصابعي بشموع شوْككَ ’ عندما
كان الغروبُ يَقُصُّ خَرُّوبَ الغروبِ وعندما
كنا – أَنا وأَبوكَ – يا أَبتي وراءك وَالِدَيْكْ
أَنتَ المُعَلَّقُ فوق صُبَّار البراري من يديكْ
وعليكَ صَقْرٌ من مخاوفنا عليكْ
وعليك أَن ترث السماء من السماءْ
وعليكَ أَرضٌ مثل جلد الروح تثقُبُهُ زهورُ الهِنْدباء
وعليكَ أَن تختار فَأْسَكَ من بنادقهمْ عليكْ
وعليكَ أَن تنحاز ’ يا أَبتي ’ لفائدة الندى في راحتيكْ
ولقمحكَ المهجورِ حول معسكرات الجيش , فاصنعْ ما تشاءْ
بقلوب سَجَّانيكَ , واصمدْ فوق شوكك حين يقهرك الصهيلُ
حول الجهات الستَّ ’ واصمدْ ’ فالسهول لكَ السهولُ
..وأَبي خَجُولُ يا أبي ’ ماذا يقولُ
حدَّثْتُهُ عنه فأَومأَ للشتاء ’ ودسّ شيئاً في الرمادْ
لا تُعْطني حُبّاً , همستُ ’ أُريدُ أَن أَهب البلادَ
غزالةً فاشرحْ بدايتَكَ البعيدةَ كي أَراك كما أَراك
أَباً يُعَلِّمني كتابَ الأَرض من أَلِفٍ إلى ياءٍ..ويزرعني هناك
لُغْزٌ هو الميلاد: ينبتُ مثل بَلُّوط يشقُّ الصخر في
عَتَبات هذا المشهد العاري ويصعَدُ..ثم يكسره السوادْ
نَحْبُو ونَصْبُو . تنهض الأَفراس تركضُ في المدى .نكبو ونخبو فمتى وُلِدْنا يا أَبي ومتى نموتُ؟ فلا يُجيبُ ’ هُوَ الخجولُ
والوقت ملْك يديه يُرْسِلُهُ إلى الوادي ويرجعه إليه
وَهُوَ الحديقةُ في مهابتها البسيطة . لا يحدِّثُني عن التاريخ في
أَيَّامِهِ : كُنَّا هنا قبل الزمان وههُنا نبقى ’ فتخضرُّ الحقولُ
رَبَّ الأَيائل ... رَبِّها في ساحة الدار الكبيرة يا أبي !
فيغُضّ عني الطَرْفَ . يُصْلح غُصْنَ داليةٍ يُقَدِّم للحصان شعيرَةُ
والماءَ . يَعْرفُهُ على مَهَل ’ يلاطفه ويهمس: يا أَصِيلُ.
يتناولُ النعناعَ من أُمي . يُدَخِّن تبغه . يُحْصي ثُرَيَّات العِنَبْ
ويقول لي : إِهدأْ ! فأَغفُو فوق ركبته على خَدَرِ التَعَبْ
أَتذكَّرُ الأَعشابَ : يأَخذني قطيعُ الأْقحوان إلى حَلَبْ
من ههُنا قطعتْ مُخَيلتي جبالَ الناي ’ خلف الناي أَعدو
أَعدو وراء الطير كي أَتعلَّم الطيرانَ . قد خَبَّأْتُ سرِّي
في ما يقول الأَوَّلون هناك , خلف التلِّ . كم أَبعدتني
عمَّا أُحاول أَن أَكون ولا أَكون...وأَنت تدري
أَني أُريدُ فوائدَ الأَزهار ’ قَبْلَ الملح . كم قرَّبْتَني
من نجمة العَبَث البعيدة ’ يا أبي لِمَ تَقُلْ لي مَرَّةً
في العمر : يا ابني !... كي أَطير إِليكَ بعد المدرسةْ؟
لِمَ لَمْ تحاول أَن تربِّيني كما رَبَّيْتَ حقلك سمسماً , ذُرَةً ’ وحنطةْ
أَلانَّ فيكَ من الحروب توجُّسَ الجنديَّ من حَبَق البيوت؟
كُنْ سَيِّدي ’ يا سيِّدي ’ لأفرَّ منك إِلى الرعاة على التلالْ
كُنْ سَيِّدي لتحبنَّي أُمِّي...وينسى إِخوتي موز الهلالْ
كُنْ سيِّدي أَحفظ القرآن أَكثرَ ..كي أُحبَّ الإِمرأَةْ
أَكون سيِّدها وأَسجنها معي ! كن سيَّدي لأَرى الدليلْ
خَبَّأْتَ قلبك ’ يا أَبي , عني لأَكبُر فجأَة وحدي على شجر النخيلْ
شَجَرٌ ’ وأَفكارٌ ’ ومزمارٌ ... سأَقفزُ من يديكَ إِلى الرحيلْ
لأَسيرَ عكس الريح ’ عكس غروبنا ... منفايَ أَرضُ
أَرضُ من الشهوات ’ كنعانيةٌ ’ ترعى الأُيائل والوعولْ..
أَرضٌ من الكلمات يحملها اليمام إِلى اليمام ..وأَنتَ منفَى
منفِّى من الغزوات ينقلها الكلام إِلى الكلام .. وأَنت أَرضُ
أَرضٌ من النعناع تحت قصائدي ’ تدنُو وتنأى ثم تدنو
ثم تنأُى في اُسم فاتحها , وتدنو في اسم فاتحها الجديدْ
كُرَةً تخاطفها الغزاةُ وَثبَّتُوها فوق أَطلال المعابد والجنودْ
لو كُنْتَ من حَجَرٍ لكان الطقسُ آخرَ..يا بن كنعان القديمْ
لكنهم كتبوا عليك نشيدَهُمْ لتكون ((أَنت)) ((هو)) الوحيدْ
لمْ تأتِ سوسنةٌ لتشهد , مَرَّةً’ مَنْ كان شاعُرها الشهيدْ
سَرَقَ المؤرَّخُ عندما واجهتُهُ بعظام أَسلافي : ((إلهي ..يا إلهي
لِمَ لمْ يموتوا كُلُّهم لتكون لي وحْدِي ..؟)) أَتغفر يا أَبي
لِيَ ما صَنَعْتُ بقلبكَ المثقوبِ بالصُبَّار حين كبرتُ وحْدِي
وذهبتُ وحدي كي أُطِلَّ على القصيدة من بعيد ؟
فَلِمَ اندفعتَ الآن في السفر الكبير وأَنتَ توراةُ الجذورْ
أَنت الذي ملأَ الجرارَ بأَوَّل الزيت المُقدَّس ’ وابتكرتَ من الصخورْ
كَرْماً . وأَنت القاتلُ الأَبديُّ : لا ترحل إِلى صيْدَا وصُورْ؟
أَنا قادمٌ حَيّاً وَمَيْتاً ’ يا أَبي ’ تَوّاً ...أَتغفر لي جنوني
بطيور أَسئلتي عن المعنى ؟ أَتغفر لي حنيني
هذا الشتاءَ إِلى انتحارٍ باذخٍ ؟ شاهدتُ قلبي يا أَبي
وأَضَعْتُ قلبك يا أَبي ’ خَبأَته عني طويلاً ’ فالتجأتُ إلى القمرْ
قل لي : أُحبُّكَ ’ قبل أَن تغفو..فينهمر المطرْ
...متداخلاً في صُوفِهِ البُنِّيِّ ’ مُتَّكِئاً على دَرَجِ الشجرْ
يرنو إِلى فِرْدَوْسِه المفقود , خلف يديه ’ يرمي ظِلَّهُ
فوق التراب – تُرابهِ ويشدُّهُ..يصطادُ زهرة أُقحوانْ
بعباءة الظلَّ المراوغِ أَيُّ صَيَّادٍ يغافل سارقَ الأَشجارِ !
أَيّ أَبٍ أَبي ! يرمي نِبَالَ الظلّ نحو ترابِهِ
المسروقِ .. يخطفُ منه زهرة أْقحوانْ!
ويعود قبل الليل . كم جيش جديد سوف يحتلُّ الزمانْ
يأتون كي يتحاربوا فينا ..هُمُ الأْمراءُ ’ والشهداءُ نحنُ
يأتون ,يبنون القلاع على القلاع , ويذهبون ’ ونحْنُ نحْن
لكنَّ هذا الوحش يسرق جلدنا وينام فيه فوق خَيْش فراشنا ويعضُّنا , ويصيح من وَجَع إِلى عيون الأقحوانْ
يا أَرضُ ! لم أَسأَلك : هل رحلَ المكانُ من المكان ؟
لأَكون زائركِ الغريبَ على حِراب القادمين من الدخان
بيني وبين حقولَي الشقراء مترٌ واحدٌ..مترٌ مِقَصُّ قَصَّ قلبي
أَنا من هنا .. ورأَيتُ أَحشائي تطلُّ عليَّ من زَغَبِ الذُرَةْ
ورأيتُ ذاكرتي تَعُدُّ حُبُوبَ هذا الحقلَ والشهداءَ فيه
أَنا من هنا . أَنا ههُنا ... وأُمشَّطُ الزيتون في هذا الخريف
أَنا من وهنا . وهنا أَنا . دَوَّى أَبي : أَنا من هنا
وأَنا هنا . وأَنا أَنا . وهنا هنا . إِني أَنا . وأَنا هنا . وهنا
أَنا . وأَنا أَنا .وهنا أَنا . وأَنا هنا . إِني هنا . وأَنا أَنا
ودنا الصدى . كَسَرَ المدى . قامت قيامَتُهُ . صدى وجد الصدى
دَوَّى الصدى ...أَبداً هنا أَبداً هنا . وغدا الزمان غدا
بدا شكلُ الصدى بلداً هنا ورد الردى , فاكسرْ
جدار الكون يا أبتي صدى حول الصدى ، ولتنفجرْ :
أَنا
مِنْ
هُنَا
وَهُنَا
هُنَا
وأَنَا
أَنَا
وَهُنا
أَنَا
وأَنَا
هُنَا
الأَرضُ تكسرُ قِشْرَ بَيْضَتها وتسبَحُ بيننا
خضراءَ تحت الغيم . تأخذ من سماء اللون زينَتَها
لتسحرنا ’ هي الزرقاءُ والخضراءُ ’ تولد من خُرافتها
ومن قُرْبانِنا في عيد حنطتها . تُعَلِّمنا فُنُونَ البحث عن أُسطورة التكوين
سَيِّدَةٌ على إِيوانها المائيِّ
سيدة المديح . صغيرة لا عمر يخدش وجهها لا ثور
يحملها على قرنيه . تحمل نفسها وتنام في أَحضانها
هِيَ . لا تودِّعنا ولا تستقبلُ الغرباء . لا تتذكَّرُ الماضي
فلا ماضي لها . هي ذاتُها ولذاتِها في ذاتِها . تحيا فنحيا
حين تحيا حُرَّةً خضراءَ لم تركب قطاراً واحداً معنا , ولا جملاً
وطائرةً . ولم تفقد وليداً واحداً . لم تبتعد عنا ولم تفقد
معادنها . ولم تخسر مفاتنها . هي الخضراء فوق مياهها الزرقاء..
فاُنهَضْ , يا أَبي ’ من بين أَنقاض الهياكِلِ واكتُب
اُسمَكَ فوق خاتَمِها كما كتب الأَوائل ’ يا أَبي ’ أَسماءهم.
وانهض أَبي لتحبَّ زوجتك الشهيَّة من ضفائرها إِلى خلخالها
وانهض , فلا زيتون في زيتون هذي الأَرض غير ظلالها ,
وانهض ’ لتحمدها وتعيدها وتَرْوِي سيرة النسيان :
كم مَرَّ الغزاة وغيَّروك وغيّروا أَسماءها
كم أصلحوا عربَاتهم وتقاسموا شهداءها,
وهي التي بقيت , كما كانت , لك امرأةً وأُماً يا أَبي
فانهض ’ ليرجعك الغناءُ
كشقائق النعمان في أَرض تَبنَّتْهَا وغَنَّتها لتسكنها السماءُ
...ولِمَ القصيدةُ يا أَبي ؟ إِنَّ الشتاءَ هو الشتاءُ
سأَنام بعدك , بعد هذا المهرجان الهشِّ , تَسْوَدُّ الدماءُ
على تماثيل المعابد كالنبيذ ... وتكسر العُشَّاقَ نرجسةٌ وماءُ
وسيكسرون الآن غيرتهم وغربتهم وبَلُّور الحنين إِلى حنينْ
وأَنا حزين , يا أَبي ’ سَلِّم على جَدِّي إذا قابلتَهُ
قَبِّلْ يديهِ نيابةً عني وعن أَحفاد ((بَعْلٍ)) أَو ((عَنَاةْ))
واملأْ له إِبريقه بالخمر من عنب الجليل أَو الخليل ’ وقل له:
أُنثايَ تأبى أَن تكون إِطار
صُورَتها. وتخرج من رفاتي
عنقاءَ أُخرى . يا أَبي سَلِّمْ عليَّ هناك إِنْ قابلتَنِي
وانسَ انصرافي عن خيولك يا أَبي واغفر لأَعرف ذكرياتي
أَنت الذي خَبَّأْتَ قلبك يا أَبي عني ’ فآوتني حياتي
في ما أَرى من كائناتٍ لا تُكَوِّنُ كائناتي..
والآن تسحبني أْبوَّتُك القصيَّةُ من يديَّ ومن شتاتي
بشِباك ظِلِّك نحو آجُرٍّ من الظلّ المعلَّق في القصيدة..
لُغْزٌ هو الميلاد .. يا أَبتي سألتك : هل وُلِدْتَ
لتموت؟ كم أَرجأَتَ عمرَك ..كم تعبتَ .. وكم وَعَدْتَ
بأن تعيش غداً , ولكنْ لم تعش من دَمِنا إِلى لغة الحمامْ؟
يا سيِّد الشجر المسجَّى فوق ظلِّ الظلِّ من شَجَر الخزامْ
يا سيِّد الحجر الذي أَدْمَتْهُ كَفُّكَ ...هل خَرجْتَ من الرخامْ
لتعود يا أَبتي إِليه ؟ دُلَّني لِمَ جِئْتَ بي ...لم جئتَ بي
أَلِكَيْ أُنادي حين أَتعَبُ : يا أَبي , يا صاحبي ؟
يا صاحبي ! مَنْ مات مَنَّا قبل صاحبِهِ...
أَنا ؟
أَم صاحبي ؟

معلومات عن محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش شاعر المقاومه الفلسطينيه ، وأحد أهم الشعراء الفلسطينين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة و الوطن المسلوب .محمود درويش الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات..

المزيد عن محمود درويش

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة محمود درويش صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها التفعيله من بحر


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس