الديوان » العراق » نازك الملائكة »

في أحضان الطبيعة

أيها الشاعرون يا عاشقي النبـ

ـل وروح الخيال والأنغام

ابعدوا ابعدوا عن الحبّ وانجو

بأغانيكم من الآثام

اهربوا لا تدّنسوا عالم الفنّ

بهذي العواطف الآدميّه

احفظوا للفنون معبدها السا

مي وغنوا أنغامها القدسيّه

قد نعمتم من الحياة بأحلى

ما عليها وفزتم بجناها

يعمه الآخرون في ليلها الدا

جي وأنتم تحيون تحت سناها

اقنعوا باكتآبكم واعشقوا الفنّ

وعيشوا في عزلة الأنبياء

وغدا تهتف العصور بذكرا

كم وتحيون في رحاب السماء

اقنعوا من حياتكم بهوى الفنّ

وسحر الطبيعة المعبود

واحلموا بالطيور في ظلل الأغـ

ـصان بين التحليق والتغريد

اعشقوا الثلج في سفوح جبال الـ

أرض والورد في سفوح التلال

وأصيخوا لصوت قمريّة الحقـ

ـل تغني في داجيات الليالي

اجلسوا في ظلال صفصافة الوا

دي وأصغوا إلى خرير الماء

واستمدّوا من نغمة المطر السا

قط أحلى الإلهام والإيحاء

وتغّنوا مع الرعاة إذا مرّ

وا على الكوخ بالقطيع الجميل

وأحبوا النخيل والقمح والزهـ

ـر وهيموا في فاتنات الحقول

شجرات الصفصاف أجمل ظلاّ

من ظلال القصور والشرفات

وغناء الرعاة أطهر لحنا

من ضجيج الأبواق والعجلات

وعبير النارنج أحلى وأندى

من غبار المدينة المتراكم

وصفاء الحقول أوقع في النفـ

ـس من القتل والأذى والمآثم

وغرام الفراش بالزهر أسمى

من صبابات عاشق بشريّ

ونسيم القرى المغازل أوفى

لعهود الهوى من الآدميّ

وحياة الراعي الخياليّ أهنأ

من حياة الغنيّ بين القصور

في سفوح التلال حيث القطيع الـ

ـحلو يرعى على ضفاف الغدير

حيث تثغو الأغنام في عطفة المر

ج وتلهو في شاسعات المجالي

وينام الراعي المغرّد تحت السّـ

ـرو مستسلما لأيدي الخيال

في يديه الناي الطروب يناجيـ

ـه ويشدو على خطى الأغنام

مستمدّا من همس ساقية السفـ

ـح لحون الشباب والأحلام

آه لو عشت في الجبال البعيدا

ت أسوق الأغنام كل صباح

وأغنّي الصفصاف والسرو أنغا

مي وأصغي إلى صفير الرياح

أعشق الكرم والعرائش والنبـ

ـع وأحيا عمري حياة إله

كلّ يوم أمضي إلى ضّفة الوا

دي وأرنو إلى صفاء المياه

اصدقائي الثلوج والزهر والأغـ

ـنام, والعود مؤنسي ونجيّي

ومعي في الجبال ديوان شعر

عبقريّ لشاعر عبقريٍّ

أتغّنى حينا فتصغي إلى لحـ

ـني مياه الوادي ومرتفعاته

وأناجي الكتاب حينا وقربي

هدهدٌ شاعرٌ صفت نغماته

وخرير من جدول معشب الضفّـ

ـة يجري إلى حفاف الوادي

وثغاء عذب من الغنم النشـ

ـوى وهمسٌ من النسيم الشادي

آه لو كان لي هنالك كوخ

شاعريٌّ بين المروج الحزينه

في سكون القرى ووحشتها أقـ

ـضي حياتي لا في ضجيج المدينه

ليتني من بنات تلك الجبال الـ

ـغنّ حيث الجمال في كل ركن

ليتني ليتني وهل تبعث الأحـ

ـلام إلا الدموع في كلّ عين

قدّرت لي السنين أني هنا أقـ

ـضي حياتي قلبا رقيقا شجيّا

في ضباب الخيال أمشي وحولي

عالم للغنى يموت ويحيا

قد أحبوا أيامهم وتمّرد

ت عليها فعشت في أحلامي

إن أكن قد ولدت في هذه الضجّـ

ـة فلألتجيء إلى أوهامي

ولأعش في الخيال حيث تهيم الـ

ـروح بين المروج والقطعان

هكذا تهدأ الأماني إلى حيـ

ـن وتخبو مرارة الأحزان

هكذا أدفن الطموح كما يد

فنه كلّ طامح بشريّ

وعيون الأقدار يضحكن مني

هازئات بضعفي الادميّ

ياعيون الأقدار لا ترمقي دمـ

ـعي ولا تهزأي بقلبي الحزين

إن يكن في دمي طوح نبيّ

فأسى اليائسين ملء عيوني

كان هذا الطموح لعنة أيّا

مي فيا ليتني عصيت هواه

كلما حّقق الزمان لقلبي

حلما صورت حياتي سواه

لست أدري ماذا سيجنيه قلبي

من شرودي في كل أفق ونجم

أبدا أرتقي النجوم وأرنو

لمجاهيل عالم مدلهمِّ

لست أدري شيئا أنا اليأس يا أر

ض وأنت ابتسامتي ودموعي

أنت وحيي ومنك تنبع أحلا

مي, وإن كنت في حماك الوضيع

إرفعيني إلى السماء إذا شئـ

ـت بوحي من سحرك الشاعريّ

وأعيدي مني إذا شئت للطيـ

ـن فتاة تبكي على كل حيّ

أضحكيني وأطلقيني ورقاء

تغني بحسنك الفّتان

أو دعيني أبكي على أشقياء الـ

أرض بين الحنين والحرمان

ضاع يا أرض فيك معنى الأماني

وتبقّى الشقاء والأكدار

وخبت في كآبة الموت أصوا

ت الأغاني واستسلم القيثار

فعلام العزاء والأمل المو

هوم في حومة الدجى المدلهمّ

ولم الأشقياء يخفون بلوا

هم ويحيون في خداع ووهم

قد وصفت الشقاء في شعري البا

كي وصوّرت أنفس الأشقياء

وشدوت الحياة لحنا كئيبا

ليس في ليله شعاع ضياء

فأثارت كآبتي عجب النا

س وحاروا في سرّها المجهول

ما دروا أنني أنوح على مأ

ساتهم في ظلامها المسدول

أنا أبكي لكل قلب حزين

بعثرت أغنياته الأقدار

واروّي بأدمعي كلّ غصن

ظامىء جفّ زهره المعطار

معلومات عن نازك الملائكة

نازك الملائكة

نازك الملائكة

شاعرة ناقدة ولدت عام 1923 في بغداد العراق, حصلت دروسها من الإبتدائية إلى الثانوية في بغداد وتخرجت سنة 1939 من دار المعلمين العالية ببغداد فرع اللغة العربية, تابعت دروساً خاصة..

المزيد عن نازك الملائكة

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة نازك الملائكة صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر لا يتوفر


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس