الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

شربناها على ذكر الوليد

شَرِبناها على ذكرِ الوليدِ

وليلُ الهمِّ يثقلُ كالحديدِ

فَخفَّ وشفَّ عن صبحٍ جميلٍ

كما شفَّ الحريرُ عن القدود

مُسخَّنةٌ وفاترةٌ تراءت

لنا في الكأسِ ناراً في جَليد

هي الصّهباءُ رَمزُ الحبِّ فيها

وفي لمعانِها كذبُ الوعود

ونكهتُها كأنفاسِ العذارى

إذا فاغَمتَهنَّ على صدود

وأما طعمُها فاسكُب وذقهُ

لتعرفَه بمختصرٍ مفيد

تَشوقُ العاشقين بريحِ شيحٍ

ولونٍ من دُجى ولظى قديد

وتُطمعُهم على نكدٍ وبؤسٍ

بما للإنكليزِ من الهنود

تقادمَ عَهدُها فروت حديثاً

غدا فيهِ حديثاً عهدُ هود

وعلّمتِ التآلفَ والتَّساوي

فأحسَت سيداً كأس المسود

وإنَّ صفاءَها منهُ التّصافي

وتوثيقُ المودّةِ والعهود

فلم أرَ مِثلها لرخاء عيشٍ

ونزعِ الغلِّ من قلبِ الحقود

فَقُل للمسلمينَ تجرَّعوها

على دين النّصارى واليهود

أخافُ من المزاجِ على زجاجٍ

يَسيلُ فما لدَيها من جمود

وَفورَتُها لسورَتِها مثالٌ

فإنذارُ الصواعقِ بالرعود

تَجنَّب شربَها واحذَر هواها

لأن الحانَ عرّيسُ الأسود

سواءٌ فيهِ عربدةٌ السكارى

وزمجرةُ الليوثِ على الصيود

تمشّت في عروقِ أبي نواسٍ

فهزّت عرشَ هارونَ الرشيد

وجرّدَت السيوفَ على عروشٍ

فأثكلتِ الخِلافةَ بالوليد

وذاقَتها جنانٌ بعدَ صدٍّ

فجادَت بالترائبِ والنُّهود

عديٌّ قد أجادَ الشّعرَ فيها

فلا تعذر بها غيرَ المُجيد

إذا الحَبَبُ النّثيرُ طفا عَليها

قرأتُ النَّثر من عبدِ الحميد

تذكّرتُ الذينَ تعشَّقوها

فكانَ الموتُ منهم كالرقود

فقلتُ على مضاجعهم سلامٌ

وموتاها أُولو الرأي السّديد

لقد ماتوا سَكارى واستحبُّوا

مناياهم على كرهِ الوجود

إلى السرِّ الخفيّ تحنُّ نفسي

لتسكنَ بعدَ تقطيعِ القيود

وتقنعُ بالقليل على حصولٍ

وتُعرِضُ بالوعودِ عن العديد

تمرُّدُها أثارَ الناسَ حَولي

فلم تحفل بوعد أو وعيد

ومن نُمرودَ شاقَتها نِبالٌ

فحيَّت كلَّ جبارٍ عنيد

ولم أكُ راغباً يوماً لجهلي

بعيشٍ أو بموتٍ من لبيد

أُحبُّ العيشَ في سعةٍ قصيراً

ولا اهتمُّ بالعيشِ العتيد

فما أدنى الحياةَ من التّلاشي

وما أدنى الحمامَ من الخلود

فكلني بالكؤوس أَكِل مداماً

فأخَتبرَ المنيّةَ بالهجود

وأسكرُ سكرةً لا صحوَ منها

وأَدخلُ جنّتَي حورٍ وغيد

وتحتي الزَّهرُ منتثرٌ وفَوقي

ونومي بينَ أقداحٍ وعود

وللأوتارِ ترنيمٌ شجيٌّ

كترجيعِ النواحِ على اللحود

فجلُّستانُ أو بستانُ سَعدي

يشَوّقُني إِلى عهدٍ سعيد

من الأقداحِ والأحداقِ سكري

فدع للنوكِ تجميعَ النقود

كذاكَ تقاربت لفظاً ومعنىً

فليسَ السكرُ عَنها بالبعيد

وفي الكأسِ الكياسةُ فاغتِنمها

وخُذ من نارِها قبلَ الخمود

فما نفعُ الحياةِ بلا اغتباطٍ

ولا طرب وإيناسٍ وجود

بحبّ الخمرِ شارَكني نَديمٌ

رشيقُ القدّ أطولُ من عمود

يموتُ بها ويحيا كلَّ يومٍ

فيدفعهُ القديمُ إلى الجديد

يَذوبُ ظرافةً ويَتيهُ عجباً

وينعتُ كلَّ صاحٍ بالبليد

يقولُ إذا عيوبُ الناسِ عُدّت

أتَعذلني على عَيبي الوحيد

تَعدُّ الشّربَ عَيباً غيرَ أني

عرفتُ بهِ الأسودَ من القرود

فقل للعاذِلينَ حَسدتُموه

ولا يُرجَى الثناءُ من الحسود

وحرمة دنّها لو ذقتمُوها

لجدتُم بالطّريفِ وبالتليد

وأطربكم على الألحانِ شعرٌ

من البحرِ الطّويلِ أو المديد

وإني لو مرضتُ وجعتُ يوماً

ومن تَشرابها داءُ العميد

لفضّلتُ المدامَ على دَوائي

وآثرتُ النبيذَ على الثَّريد

فمن دائي الدواءُ وفي الحميّا

محيّا السَّعدِ يبسمُ للمجيد

بها هانَ الحِمامُ على عَبيدٍ

فلم يَفرَق من الموتِ الأكيد

وقيلَ له تمنَّ فقالَ خمراً

يُنيرُ شُعاعُها عبرَ الشهيد

له يومٌ ولي أيامُ بؤسٍ

بها اشتُقّ الأشدُّ من الشَّديد

أنا بالسكرِ ثم الموت أولى

ففي هذينِ راحةُ مُستَزيد

فنعمَ الموتُ بعدَ السكرِ منها

وإلقاءُ السَّلامِ على عبيد

وفي موتي بها تحلوُ حَياتي

فمنها بَعثتي بعدَ الهمودِ

وفي حزني تُسلّيني كؤوسي

كأبوابٍ من العقدِ الفريد

فقلت لهُ اسقِنيها واشرَبَنها

على رغمِ الحسودِ أو الجحود

فأجلسُ بينَ ريحانٍ وراحٍ

وأستَجلي الكؤوسَ على الورودِ

وأغرسُ جنةً وأشيدُ قصراً

على أطلال عادٍ أو ثمود

ليالي مسلمٍ بيضٌ ففيها

شَفَت بنتُ المجوسِ ابنَ الوليد

وفي جرجانَ عزَّتهُ قليلاً

فلم يعبأ بأعمالِ البريد

كنَخلتِه غريباً حنَّ لما

رأى في الخمرِ أمناً للطريد

فكم من ليلةٍ منهُ تريني

شريداً يَقتفي أثرَ الشَّريد

وقد بلَّ النّدى شَعري وثوبي

وشِعري كالجواهرِ في العقود

ولاح البدرُ بين غماتيهِ

فرغّبني بمكسالٍ قعود

إليها اجتَزتُ سُوقاً بعد سوقٍ

وقلبي فيهِ من حرِّ الوقيد

وحينَ دَخَلتُ منزلها أرَتني

كناساً فيهِ تخويرُ الجليد

جَلت عن نارِ وَجنتِها دخاناً

وأبدَت حمرَها من تحتِ سود

وقالت والوشاحُ على يَدَيها

بهذا مَصرعُ البطل النجيد

فقلتُ النارُ شاقتني وإني

مجوسيٌّ يُشمِّرُ للسجود

أرى نهدَيكِ معزفةً وعرشاً

لأكبرِ من هشامٍ أو يزيد

إذا لمَستهما كفِّي وجسَّت

أُناغي أو أُغنِّي كالوليد

بضيقِ الذَّرعِ مِنكِ أضيقُ ذرعاً

فأَخفي ما يوَسوسُ أو فجودي

فلستُ براجعٍ عنهُ وإني

لآخِذُهُ من الزَّردِ النضيد

فآدمُ لم يَرعهُ الموتُ لما

جَنى التفَّاحَ من حمرِ الخدود

ولما احمرَّ خدّاها ولاحت

على الشّفتَينِ بيِّنةُ الشّهود

هَصَرتُ قوامَها بذؤابَتيها

فلامَسَ رأسُها حَبلَ الوريد

وبتُّ أقبِّلُ المرجانَ حتى

رأيتُ الدرِّ من أغلى فريد

وفاحَ على ثناياها شَذاها

وفي أنفاسِها تحريقُ عود

سَقَتني خمرَتَي كأسٍ وثَغرٍ

وجادَت لي بتَجويدٍ وجيد

نَعِمتُ بها منعِّمةً للحنِ

إذا غَنّت أقولُ لها أعيدي

كذا محبوبةٌ غَنّت وفضلٌ

لدى متوكِّلٍ ولدى سعيد

وأطرَبتِ الحجازَ جَرادتاهُ

مُغرِّدَتينِ للعيشِ الرغيد

ولما انشَقَّ صدرُ الليلِ حقداً

على مُتَمَتِّعٍ فيه سهيد

تنشّقتُ النسيمَ فنعّشتني

نوافحُ برَّدت حرّى الكبود

وقابَلني الصّباحُ كمشتهاةٍ

رَنت وتبسّمت لفتى ودود

فتقتُ إِلى التنزّه في رياض

معلّقةٍ إِلى الجبلِ المريد

لأملأ مُهجتي نوراً ونضراً

وطيباً في حِمى ظلٍّ برود

طلعتُ أجدّ آمالي عَليه

معَ الفَلَقِ المجدّدِ والمعيد

وليسَ مطيتي إِلا زحوفاً

أحَبُّ إِليَّ من ذاتِ الوخيد

فكم حنّت خمائلُ وارجَحَنَّت

ونَفحُ نَسيمها مشيُ الوئيد

وفيها الرّيحُ هبت فاشرأبت

كجمهورٍ يُطلّ على وفود

فأطرَبني حفيفٌ أو خريرٌ

لماءٍ في التهائم والنجود

فطَوراً سالَ رقراقاً وطَوراً

تبجَّسَ من حَشى الصّخرِ الصَّليد

وغَرّد ثَمَّ عصفورٌ لطيفٌ

فعلّمني أساليبَ النّشيد

وردَّد صفرةً خَلبت فؤادي

فكانت عنده بيت القصيد

فَقُلتُ أعِد غِناءَكَ يا مُعَنَّى

ولستُ لغيرهِ بالمُستعيد

سواءٌ نحن فالتغريدُ شعرٌ

فغرِّد للمجيدِ المستجيد

وإِلا ضعتَ مِثلي بينَ قومٍ

أُجاوِرُهم ولستُ بمُستفيد

جواري لم يكن إِلا إساراً

وأشعاري كصَلصلةِ القيود

فبت حرّاً وطِر حرّا فموتٌ

حياةُ الحرِّ ما بينَ العبيد

لسانُ الطَّير أفهمُه فرُوحي

كأرواحٍ من الأطيارِ رود

شكوتُ إليكَ والشّكوى عزاءٌ

فما أدنى الودود من اللدود

أراكَ تزقُّ أفراخاً وتزقُو

فأذكرُ كلّ مأدبةٍ وعيد

وَقَت لكَ دوحةٌ إلفاً وعشّاً

وهذي دعوةُ النائي الفقيد

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة مدح ونوعها عموديه من بحر الوافر


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس