الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

سأتبع ظل الموت بين الكتائب

سَأتبعُ ظلَّ الموتِ بينَ الكتائبِ

لعلَّ شفاءً من شِفارِ القواضِبِ

فَبيرُنُ في اليونان حيّاهُ باسماً

وقبَّلَ بنتَ المجدِ بين الحواجب

قضى وعذارى الشِّعر يندُبنَ حوله

فيا حبَّذا دمعُ العذارى النوادب

لئن كنتُ محروماً من الحبَّ والغِنى

كفاني من الأمجادِ فخرُ المحارب

سُعادُ قِفي نجلُ السيوفَ لثأرِنا

وراحةِ أرواحِ الجدودِ الغواضب

فيضرِبُ هذا الشعبُ حتى يَرى الهدى

ويرجعُ بسّاما لذكرى المضارب

شَكَوتُ الضَّنى بعد الجهادِ فقلتِ لي

تعوَّدَ هذا الجسمُ حملَ المتاعب

هبي الجسمَ يا حسناءُ سيفاً مهنّداً

أما فلَّ حدَّ السيفِ ضربُ المناكب

فربَّ جوادٍ لم يقم بعد كبوةٍ

وليثٍ أهانتهُ صِغارُ الثعالب

فما أنا إِلا النسرُ يحملُ سهمَهُ

ويضربُ قلباً دامياً بالمخالب

ستخلدُ أشعاري وتبلى محاسني

ويشفي خُصومي غلَّهم بالمثالب

فقولي لهم ماتَ الذي كان خيركم

ولم تعلموا ما بينَ تلكَ الجوانب

أرى الأهلَ والأحبابَ يمشونَ مَوكباً

وأمشي وحيداً بين زَهرِ المواكب

وأفقدُ صحبي واحداً بعد واحدٍ

وأبكي عليهم في بلادِ الأجانب

فمنهم إلى البَلوى ومنهم إلى الثّرى

وَطرفي وقلبي بينَ ذاوٍ وذائب

فشيَّعتهُم حتى المقابرِ باكياً

وودّعتُهم ولهانَ عندَ المراكب

فيا وَحشَةَ المنفى ويا ظُلمةَ الثَّرى

وراءَكما نورٌ يَلوحُ لراقب

مساكينُ أَصحابي الكرامِ فقَدتُهم

ولم يَبقَ إلا كلُّ أحمقَ عائب

يمرّون أطيافاً فأسمعُ هَمسَهُم

وأمشي على ماضٍ كثيرِ الخرائب

وأَذكُرهم تحت الدُّجى ونفوسُهم

تطيرُ على الأرواحِ من كلِّ جانب

لقد أغمضوا أجفانهم ولحاظُها

تُنيرُ ظلامَ القلبِ بينَ المصائب

وإني ليوهيني تقَسُّمُ أُمّتي

بأديانِها والشرُّ بينَ المذاهب

متى يَنتهي كهّانُنا وشيوخُنا

فَنَنخلصَ من حيّاتِهم والعقارب

شقينا لنُعماهم وراحتِهم فهم

يسوقوننا كالعِيسِ نحو المعاطب

يقولونَ صلّوا واصبروا وتقشَّفوا

وتوبوا وصُوموا واثبتوا في التجارب

وهم بينَ عوّادٍ وزقٍّ وقينةٍ

لها عَبَثاتٌ باللحى والشوارب

يجوعُ ويَعرى في الكهوفِ فقيرُنا

ويَشقى ويَبكي صابراً غيرَ عاتب

وقد أكثروا ديباجهم ودجاجَهم

وقالوا لشعبِ اللهِ عش بالعجائب

وإن خَرجوا يويماً للهوٍ ونزهةٍ

تجرُّ جيادُ الخيلِ أغلى المراكب

فكم أكلوا القربانَ بعد فظيعةٍ

وكم جحدوا الإيمانَ عندَ المكاسب

خلاصي وما أغلاهُ لستُ أُريدُهُ

إذا كان من خوري وقسٍّ وراهب

متى يَهزمُ الغربانَ نسرٌ محلِّق

وتبطشُ آسادُ الشّرى بالثعالب

تنوَّعتِ الأديانُ والحقُّ واحدٌ

فنَال بها الكهّانُ كلَّ الرغائب

فما الدينُ إلا نسخةٌ بعد نسخةٍ

تُزَخرفُها للناسِ أهواءُ كاتب

وأكثرُهُ وَهمٌ يضلِّلُنا بهِ

مجاذيبُ أغراهم بريقُ الحباحب

أضاع القوى تسليمُنا واتكالُنا

فكم خابَ من باكٍ وشاكٍ وطالب

فمزِّق بنورِ العَقلِ ظلمةَ خِدعةِ

وقطِّع حبالاً وُصلُها للمآرب

ففي هذه الدُّنيا جحيمٌ وجنّةٌ

لكلٍّ وبعدَ الموتِ راحةُ لاغب

وإني رأيتُ الخيرَ والشرَّ فطرةً

بلا رغبةٍ أو رهبةٍ من مُعاقب

فكم ديّنٍ يزني ويقتلُ سارقاً

ولا يختَشي سُخطَ الإلهِ المحاسب

أَتينا معَ الأقدارِ والرزقُ حيلةٌ

وحظٌّ تعامى عن جزاءٍ مُناسب

فهل حُرِمَ الأشرارُ خيراً ونعمةً

وهل وُهِبَ الأخيارُ أسمى المطالب

فكم لي إذا أسعَى إلى خيرِ غايةٍ

ندامةَ مَغبونٍ وحسرة خائب

أهذا جزاءُ الخيرِ يُقتلُ مُحسِنٌ

ويُصقلُ متنُ السيفِ في كفِّ ضارب

أأضحكُ من نفسي وأرضى بغبنِها

وقد شاقها علمُ الحكميمِ المراقب

دَعي الوهمَ يا نَفسي وعيشي طليقةً

بلا خبثِ شرِّيرٍ ولا خوفِ تائب

وبشِّي لذكرِ الموتِ فالموتُ راحةٌ

ولا تؤمني من بعده بالعواقب

لكِ الجوُّ يا نفسي وجسمي له الثَّرى

فلا تَقبَلي يوماً شهادةَ غائب

فديتُك يا أُمّي الحقيقةَ مزِّقي

بنورِ الهدى والعَقلِ سِترَ الغَياهب

ولا تدعي الإخوانَ في أرضِهم عدىً

بما زيَّنَت أهواءُ غاوٍ وكاذب

أنيري أَنيري الأرضَ واهدي شُعوبَها

إِلى مشعبٍ فيهِ التقاءُ المشاعب

سلامٌ على روحِ المعريِّ إِنها

أنارت وغارت شعلةً في الكواكب

فلو كان عندَ النّاس عدلٌ وحكمةٌ

لما ضاعَ في الدَّيجورِ نورُ الثَّواقب

بناتِ بلادي القارئاتِ قصائدي

فتاكُنَّ هذا ضاعَ بين الغرائب

أُخاطِبُ منكنَّ الشّواعرَ بالهوى

وأعرضُ عن هزلِ اللّواهي اللّواعب

فَطيَّبنَ نفساً صوتُها في كُروبها

كبرقٍ ورعدٍ بين سودِ السحائب

وهَبنَ لِشعري دمعةً وابتسامةً

هما سلوةٌ للصبّ عندَ النوائب

ألا يستحقُّ القلبُ منكنَّ عطفةً

وقد ذابَ وجداً فوقَ تِلكَ الذوائب

وناحَ على تِلكَ المعاطفِ بلبُلاً

وفاحَ عبيراً من بياضِ الترائب

تزوّدنَ طيباً في الربيعِ ونضرةً

وجمِّعنَ حبّاً في الليالي الذّواهب

ونوِّلنَني التقبيلَ والضمَّ خلسةً

ونعّمنني في شقوتي بالأطايب

ومتِّعنَ كفِّي من كنوزٍ ثمينةٍ

تكونُ سِلاحي في الرَّزايا الغوالب

وغرِّدنَ تغريدَ العصافيرِ في الحمى

لتخفينَ في الظلماءِ صَيحاتِ ناعب

على الحبِّ لا تخشينَ لوماً ونقمةً

ففي الحبِّ تسهيلٌ لكلِّ المصاعب

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة رثاء ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس