الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

برزت وقد شقت حجاب الأعصر

برزت وقد شقّت حجابَ الأعصرِ

بنتُ النبيِّ الهاشميِّ الأكبرِ

وكأنَّ صفحةُ ذي الفقارِ جبينَها

ولحاظَها من حدِّهِالمتسعّر

روحي الفداءُ لحرةٍ نشأت على

حبِّ الأسنّة والظُبَى والضُمَّر

ضاقت بها الصحراءُ فانفتحت لها

أبوابُ كِسرى والعزيزِ وقيصرِ

فغدت تقودُ إلى المعاركِ خيلَها

وتُجرِّرُ الديباجَ فوقَ المرمر

واليومَ قد ظهرت تُعيدُ جمالها

وجلالها فتخضّبت بالأحمر

ومشت مظفّرةً وما وطئت سوى

هامِ الفوارسِ والقنا المتكسّر

فغدوتُ أخطرُ كابنِ هاني مُنشداً

لقصيدةٍ هزَّت كتائبَ عسكر

وأقولُ والخيلُ العرابُ تصاهلت

بنتَ البداوةِ حانَ أن تتحضّري

فعلى الحضارةِ أقبلي واستقبلي

أنوارَ ذياكَ الصباحِ المُسفِر

عودي إلى العهدِ القديم فإنهُ

مثل الربيعِ أو الغمامِ الممطر

شمسُ المشارقِ في المغاربِ أشرقت

من راحتيكِ لرومِها والبربر

فدعوتِهم بعد الضلالِ إلى الهدى

وكسوتِهم حِلَلَ الحريرِ الأفخر

وشكوا لكِ الظمأ الشديدَ إلى الندى

فسقيتِهم كرماً كؤوس الكوثر

وتهذّبت أخلاقُهم وعقُولُهم

فتنشقوا من فيكِ ريحَ العنبر

لولاكِ ما فكّ الأسيرُ قيودَهُ

والعبدُ لم يُعتق ولم يتحرر

الأرضُ قد صارت بحكمِك جنةً

تختالُ في ثوبِ النعيمِ الأنضر

فتهلّلت أنهارُها وبحارُها

طرباً لصوتِ مهلِّلٍ ومكبِّر

ما كان أجملَ ذلكَ العهدَ الذي

حكمَ البريّةَ فيه أشرفُ عنصر

سارت جيوشُ ذويكِ من فتحٍ إلى

فتحٍ أغرَّ كجارفٍ متحدّر

وعلى الممالكِ خيلُهم طلعت كما

طلعَ الصباحُ على الظلامِ المدبر

من كلّ وثّابٍ وكل طمرَّةٍ

في متنها خيسٌ لكلِّ غَضَنفَر

والخيرُ معقودٌ بها يومَ الوغى

فوقَ الدمِ الجاري وتحتَ العِثيَر

وصهيلُها كقصيفِ رعدٍ حاملٍ

بشرى الغيوثِ وبالصواعقِ منذِر

فتراءَتِ الدنيا لهم عربيةً

في بعض أعوامٍ وبضعة أشهر

وعلى المدائنِ رفرفت أعلامهم

من أبيضٍ أو أسودٍ أو أخضر

فمن الثلاثةِ فصِّلي عَلَمَ الهدى

وضعيهِ فوقَ عطاردٍ والمشتري

تلك العواصفُ بالحيا قد بشّرت

فهمى وحيّا بالربيعِ المغضر

فغدا الرشيدُ يقولُ في بغدادهِ

أيانَ تهوَي يا غمامةُ أمطري

ما تمطرينَ من البلادِ خراجُه

يأتي إليَّ ولو وراءَ الأبحر

يا دولةً بُنيت على القرآنِ مَن

يُحصي محاسنَكِ التي لم تُحصر

ما في البيانِ ولا القريضِ كفايةٌ

ولو استعرتُ له صِحاحَ الجوهري

أو شعرَ غيلانَ الكثيرَ وقد حوى

ثلثَ اللسانِ اليعربيِّ الأغزَر

من ذا يعدُّ أشعةَ الشمسِ التي

طلعت على الدنيا لأعظم مظهر

إن الحياةَ بنورها وبحزّها

وحياتُنا من نورِك المتنوّر

تذكار سالفِكِ المجيدِ يشوقُني

وا حرَّ قلبِ العاشقِ المتذكر

ملأ البلادَ حضارةً وغضارةً

فالأرضُ مُذ ولّى كربعٍ مُقفِر

فيهِ فخامةُ بابلٍ مع نينوى

عادت وعزّةُ بعلبكَّ وتَدمر

ألهمتِني وهديتِني فأنا الشذا

والنورُ منكِ لناشقٍ ولمبصر

فرأيتُ نفسي أُفقَ نجمٍ زاهرٍ

ورأيتُ قلبي روضَ وردٍ مزهِر

ما زلتُ في بغدادَ أسمعُ نغمةً

للموصليّ على رَنينِ المزهر

فأقولُ والحلمُ الجميلُ يشوقُني

يا أيها الحلمُ الجميلُ تَفَسّر

أترى دمشقُ وليدَها كغياثِها

ويسيرُ في بغدادَ مثلُ البُحتُري

فتُردِّدُ الأجيالُ شعراً خالداً

متسلسلاً من عَذبِكِ المتفجّر

ظهرت محاسنُهُ وكان ظهورُها

من حُسنِكِ المتبذّل المتستّر

زهراءُ قرطبةٍ وجامعُها وما

في كنزها من لؤلؤٍ مُتبعثر

والقصرُ والحمراءُ في حمصٍ وفي

غرناطةٍ وزخارفُ ابنِ الأحمر

وقصورُ سامرّا وبغدادَ التي

دَثَرت وفي الألبابِ لمّا تدثر

تهدى إليك إذا تعسّفَ طارقٌ

مستوضحٌ والليلُ ليسَ بمقمر

وعلى بقايا العزّ في أطلالِها

دمعُ الحزينِ وعبرةُ المتبصِّر

تبكي نظامَ الملكِ مدرسةٌ بها

جُمعت شعوبُ الأرضِ حولَ المنبر

وكذلك المستنصريةُ لم تزل

تحتَ الثرى تبكي على المستنصر

والحكمةُ الزهراءُ تندبُ بيتَها

وتقولُ للمأمونِ طالَ تحسّري

والأشرفيةُ في دمشقَ ومثلُها

ألفٌ بناها العربُ بعد تحضّر

لم يبقَ من أثرٍ لها ورجالُها

كانوا هداةَ العالمِ المتحيِّر

يتنقّلونَ كواكباً سيارةً

والأرضُ بالإسلامِ هالةُ أقمُر

ويُنثّرونَ على الدُّجى شعلَ الهدى

ويحاولون إقالةَ المتعثّر

تلكَ المدارسُ والمكاتبُ هُدِّمَت

أو أُحرِقَت فكأنها لم تخفر

كلُّ المحاسنِ والمكارمِ عرضةٌ

بعد الخلافةِ للسّفيهِ المفتري

كان الخلائفُ يحفظون عهودَها

وهي المهانةُ عند علجٍ يزدري

بالله أيتها الخلافةُ جمّعي

شملَ البنينَ التائهينَ النفّر

قد كنتِ عقداً للجواهرِ ناظماً

فانحلَّ وا أسفاه عقدُ الجوهر

هذا العراقُ إليكِ حنَّ نخيلُه

والشامُ بين تذكُّرٍ وتذمُّر

ولمصرَ والغربِ القصيّ تعلّلٌ

بالقربِ بعدَ تمنُّعٍ وتعذُّر

تلك البلادُ جميعُها عربيةٌ

بعد الشذا العربيِّ لم تتعطّر

فكذا أؤملُ أن تصيري دولةً

كبرى بنظمِ فريدكِ المتنثِّر

فأراكِ تنبسطينَ في شرقٍ وفي

غربٍ كما انبسطت قوادمُ أنسُر

وأسيرُ فيكِ مشرّقاً ومغرّباً

وأجرّ ذيلَ التائهِ المتكبّر

وأقولُ هذي أمتي أو دولتي

أو رايتي لمعزّةٍ ولمفخر

فهي القويّةُ والعليّةُ في الورى

وأنا القويُّ أنا العليُّ أنا الجري

في الكعبةِ العُظمى تعالت صيحةٌ

لابنِ الرسولِ النافرِ المستَنفِر

في الجامعِ الأمويِّ طنَّ دويُّها

والمسجدِ الأقصى وصحنِ الأزهر

أبني الألى انتصروا بنصرِ نبيِّهم

والحقُّ لولا نصرُهُم لم يظهر

من لا يُريقُ دماً ويبذلُ درهماً

لصيانةِ الشرفِ الأعز الأطهر

وإعادةِ الملكِ السليبِ فإنه

إرثٌ يثبِّتُهُ حطامُ الأعصر

الدولةُ العربيةُ الكبرى بِكم

ولكم تعودُ على العجاجِ الأكدر

فارموا أعادِيَكم بكلِّ كتيبةٍ

دفراءَ أبطشَ في الوغى من دَوسر

شَرفُ الفروعِ من الأصولِ وإنما

شرفُ الأصول من الدّمِ المتقطِّر

والخيرُ من عربيةِ الخَيلِ التي

داست حوافرُها مغاورَ أنمر

إن السيادةَ والسعادةَ والعُلى

من وجهِ دينارٍ وحدِّ مذكَّر

فإذا هما اجتمعا لِشَعبٍ صالحٍ

ما عادَ غيرَ مؤَمَّرٍ ومظفَّر

المالُ أعظمُ قوَّةٍ في دولةٍ

فلَكَم أتى منهُ انتصارُ مذخّر

وله السلاحُ على الصلاحِ مساعدٌ

والمرءُ بينهما مسيءٌ أو بري

يا مؤمنينَ بَدارِ ليسَ أميرُكم

إلا الإمام ابن الإمامِ الأشهر

قد هبَّ يجمعُ شملَكم في دولةٍ

قرشيّةٍ واليسرُ بعدَ تعسُّر

والرايةُ الشرفاءُ تحميكم كما

تُحمى بكم يومَ الوغى والمحشَر

أوَ ما عرفتم أُمَّكم بكتابِها

ولسانِها من شاهِدٍ أو مُخبر

ظهرت مطهرةً به فتطهرت

منهُ الشعوبُ وعمَّ فضلُ مُطَهَّر

أو ليسَ قوّتُكم وعِزّتُكم بها

في كلِّ قُطرٍ بالهُدى مُستَبشِر

برّوا بها لجميلِها وجمالِها

فالحرُّ لم ينكر ولم يتنكر

مَيلُ الفؤادِ الى الرشادِ دليلُكم

والمرءُ في الايمان لم يتحيَّر

الله أكبر والنبيُّ حبيبُهُ

فارجوا شفاعتَهُ بحسنِ تصبُّر

صلّوا عليهِ وسلّموا وتشدَّدوا

وتثبّتوا لتأهُّبٍ وتشمّر

أبناؤُهُ أنتم فكونوا أُمةً

وتحرّسوا من خادعٍ ومزوّر

أَيُفرّقُ الغرباءُ إخواناً لهم

دارُ الخلافة رحبةَ المستجمِر

أمخاطبينَ اللهَ باللغةِ التي

شَرفت بتنزيلِ الكتابِ الأنوَر

عربيّةٌ صلواتُكم ونفوسكم

وأطايبُ الجنّاتِ للمتبرِّر

بطحاءُ مكةَ ألّفت ألفافَكم

حتى غدوتم إخوةً في المَعشَر

فكما ببيتِ اللهِ طفتم إخوةً

طوفوا ببيت خلافةٍ لتحرّر

والله لا حريةٌ إلا التي

كُتِبَت بصفِّ الجيشِ لا بالأسطر

توحيدَكم لله منهُ وحدةٌ

لجموعِكم فخذوا برأي مُدبّر

وتجمّعوا أُمماً وصيروا أُمَّةً

فالملكُ أعظمُ بالعديدِ الأكثر

كونوا كبنيانٍ يشدد بعضُهُ

بعضاً فيأمن كلَّ ريحٍ صرَصَر

لا شيءَ يفصلُكم وهذا دينُكم

ولسانُكم فتمسكوا بالجوهَر

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة مدح ونوعها عموديه من بحر الكامل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس