الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

ما قضينا حقا لرسم محيل

ما قَضَيْنا حَقًّا لرسْمٍ محيل

ببكاءٍ على الدْيار طويلِ

يا رفيقي وصاحبي وخليلي

قفْ بنا بين دارساتِ الطلول

نَقْضِ حقّ البُكا لها والعويل

فالمطايا وَهَتْ وأَنْتَ تراها

يأكلُ السَّيْرُ ما ترى من ذراها

قفْ بها كي ترتاحَ ممّا اعتراها

وأنخها قلائصاً قد عراها

ما عرانا من الضنى والنحولِ

إنَّ غِبَّ الغرام منذ امتطاها

أطلقَ الوَخدُ والذميلُ خطاها

خلّها من لغويها أنْ يطاها

وأرِحها سُوَيْعَةً فمطاها

قد دهى من وجيفها والذميلِ

أصْبَحتْ بعدَ ريّها تتولّى

كبدا من غليلها النار تصلى

علّها ما وَرَدَتْ ماءك عَلاّ

واسقها من مَعين وجرةَ نهلا

فعَساها تطفي لهيب الغليل

خَلّها لا عدمتَ ذا اليوم خلاّ

إن تحاولْ بقطعك البيد وصلا

وإذا سرتَ بالمطيِّ فمهلاّ

وتَرَفَّقْ بها فيما هي إلاَّ

عُدَّةً قد أعدَدْتُها للوصولِ

فَسقى مربع الحِسان وجادَتْ

مُزُنٌ أحْسَنَتْ به وأجادَتْ

تبلُغ النفسُ عنده ما أرادَتْ

يا لمغنًى به الغواني تهادَتْ

وخَلَتْ من مؤنّبٍ وعذولِ

كم لَهَوْنا بكلّ ظبي غريرِ

وشَرِبْنا في كلّ رَوضٍ نضيرِ

شمسَ راحٍ من كفّ بدرٍ منير

وأُديرَتْ لنا كؤوسُ سرورِ

من ثغورٍ رضابها من شمولِ

حبّذا أوْجُهٌ تروقُك وَصْفا

وثغورٌ تحكي المدامةَ صِرْفا

فالثنايا العِذاب تمنح رشفا

ومياهُ الجمالِ تقطرُ لُطفا

فوقَ خدٍّ من الشباب أسيلِ

قد رَعَينا لذاذةَ العيشِ رغدا

وطرِبْنا به مَراحاً ومَغْدى

في رياضٍ من المحاسن تندى

وطيورُ الهَنا تغرِّدُ وَجْدا

بهديرٍ مستعذبٍ وهديلِ

يا لعيشٍ ما كانَ أمرى وأحلى

وزمانٍ من جوهر الرُّوحِ أغلى

فالشبابُ الَّذي قَلَّص ظِلاّ

قد مضى وانقضى وفاتَ وَوَلّى

كشموسٍ قد آذَنَتْ للأفولِ

أينَ قومي لهم على النَّاس فخرُ

وإباءٌ بأنْفِهِ مشمخرُّ

قد دَهاهم من المنيّة أمرُ

وتمطّى بساعدِ الغَدْرِ دهرُ

غالَ أهلَ النهى بأنياب غولِ

كم كريمٍ لدى عذابٍ أليمِ

ولئيمٍ من دهره في نعيمِ

إنَّ دهراً عَدوَّ كلِّ كريم

فهوَ سلمٌ لكلِّ فدمٍ لئيم

وهو حربٌ لكلِّ حرِّ نبيلِ

ساءنا الدهرُ مأخذاً ونزاعا

واتّصالاً وفرقةً واجتماعا

غادرٌ باسطٌ لغَدرٍ ذراعا

ولَكَمْ مَدَّ للخيانةِ باعا

رَدَّ عنها الحجى بطرف كليلِ

عَمَّ سوحي حال الزمان وخصّا

وأرى فيه كلّما زِدْتُ نَقْصا

لا تظنَّن أنّها تُستقصى

فأحاديثُ دهرِنا ليسَ تُحصى

خلّ عن شرحها العريضِ الطويلِ

كمْ أمورٍ لدَهْرِنا مهلكاتِ

لاحقاتِ أبناءه مدركات

زَمَنٌ ظلّ أهلُه في شكاةِ

كم له في الكرام من فتكاتِ

كلَّ آن يسطو بأمرٍ مهولِ

إنَّ هذي الأيام منذ ابتداها

قَلَّ ما تَمْنَحُ الكرامَ نداها

ما استَقَرَّتْ بريّها وصداها

والليالي لا تستقرُّ مداها

كلَّ يوم تأتي بحال محلولِ

نرتجي الفوزَ في بلوغ أمانِ

بزمانٍ يَعِزُّ كلَّ مُهانِ

ما ثنى عِطفَه لحرٍّ مُصانِ

ليتَ شعري ما يرتجى من زمان

عَطفُه للكرامِ كالمستحيلِ

كيف نلتذُّ في الحياة وُجودا

إذ نرى حيثُما التَفَتْنا فقيدا

لك يكنْ طيبُ عيشنا محمودا

ومتى نستطيبُ عيشاً رغيدا

والمنايا تحدو بنا للرحيلِ

إنَّما هذه الحياة ابتلاءُ

ولغوبٌ وشِقْوَةٌ وعَناءُ

ثم قد يُعقِبُ الوجودَ فناءُ

والرزايا مع المنايا بلاءُ

وعظيمُ البلاء رفع الرذيل

فالبلاءُ الشديدُ أنْ يُستَعاذا

بالذي لمْ يكنْ لعَمري مَعاذا

أو يكونُ الدنيُّ فينا ملاذا

وبلاءٌ أشدُّ من ذا وهذا

ذلُّ حُرٍّ إلى لئيمٍ بخيلِ

ما أراحَتْ يوماً من النَّاس حيًّا

بلْ أساءتْ إليه مَوتاً ومحيا

نحنُ نبغي في هذه الدَّار بُقيا

ومضِرٌّ بنا البقاءُ بدنيا

غَدَرَتْ قبلَنا بآل الرسولِ

لأناسٍ عَلَوْا فخاراً ومجدا

وأباً ماجداً كريماً وجدّا

كيف كانت إذ ذاك خصماً ألدّا

ما رَعَتْ فيهم ذماماً وعهدا

وحمى المستجير والمستنيل

يا نجوماً في كلِّ بَرّ وبحر

هاديات الأنام في كلّ عَصْرِ

يا بدوراً في حالكٍ مكفهرّ

شَتَّتْ شملَهُم وكانوا حماة

وهداةً إلى سواء السبيل

خيرُ من حَلَّ بقعةً ووطاها

قد كشفْتُم عن العيون غطاها

وحميْتُم ممَّا يروع سطاها

يا بني أحمدٍ ويا آل طه

يا هداة الورى ومأوى الدخيل

بولائي لكم قديماً وحبّي

أنا أرجو النجاةَ من كلّ كربِ

يا شفائي إذا اعتَلَلْتُ وطبّي

ضِقْتُ ذَرعاً من عِلَّةٍ بَرَّحَتْ بي

ودوائي أنتم وبرءُ العليل

عن خلوصِ الولاءِ صِدقُ مقالي

في طفوليَّتي وحالِ اكتهالي

لم تغيِّرْه حادثاتُ الليالي

صرتُ شيخاً وما تَغَيَّر حالي

عن ولائي لكم بِصدقِ المقولِ

تركَتْني الأيامُ من غير جِرم

حاملاً عِبءَ كلّ همٍّ وغمِّ

حيث فَقْدُ الشبابِ انحل جسمي

وأنا اليوم شابَ رأسي وعظمي

أوْهَنَتْه أثْقال وِزرٍ ثقيل

إنَّ ضُعْفَ القُوى وفقدانَ عَوني

قد أحالا من بينَ قَصدي وبيني

طَعَنَتْ في مضاضة العيش شنِّي

وانقضى العمرُ كلُّه بالتمنِّي

واتّباعِ الهوى بقالٍ وقيلِ

أنْتُم مَطلَبي وأنْتم مرادي

وعَليكم بَعدَ الإله اعتمادي

فإذا كانَ بَعْدَ بدئي معادي

حبّكم يا بني الوصيّ عتادي

في معادي عند الإله الجليلِ

قَرَّبَتْني منكُمْ دنوًّا بقربِ

نِسْبَةٌ في الجميل من فضل ربِّي

حينَ أدعى ما بين قومي وصحبي

أنْتُمْ أَنْتُم الجميلُ وحَسْبي

بينَ قومي أُدعى بابن الجميل

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة عبد الغفار الأخرس صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر الخفيف


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس