الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

قام يجلوها وبرد الليل معلم

عدد الأبيات : 56

طباعة مفضلتي

قام يجلوها وبُرْدُ اللَّيل مُعْلَمْ

خمرةً ما اجتمعت معَ الهَمْ

فهي تِبْرٌ في لجين ذائبٍ

أو كنارٍ في فؤاد الماء تُضرم

نظم المزج عليها حَبَباً

رَصَّعَ الياقوتَ بالدرّ المنظّم

عجباً للشَّرب أنَّى قطّبت

أوجهاً من شرب راحٍ تتبسَّم

مُرَّةٍ يحلو بها العيش وفي

مثلها قد يُحمد الدَّهر المذمّم

من رأى يا قوم منكم قبلها

قبل هذا أَنَّ نوراً يتجسّم

فهي سرٌّ منعت سرّ الضيا

في ضمير اللَّيل من أن يتكتّم

قَدُمت في عصرها حتَّى لقد

أَوْشَكَتْ تخبرنا عمَّا تقدّم

ما ألذَّ الرَّاح يسقاها امرؤٌ

من أيادي مُنْية القلب المتيَّم

كقضيب البان أنَّى ينثني

ذو قوام يشبه الرّمح المقوَّم

أشرق البدر علينا وجهه

فعرَفْنا منه أنَّ البدرَ قد تم

بابليُّ اللَّحظ حلويُّ اللّمى

غير أنِّي في هواه أتألَّم

مالكٌ ما رقَّ للصّبّ ومن

عادة المالك أن يرثو ويرحم

ظالمي في الحبّ عدلٌ فاعجبوا

يا لقومي من ظلومٍ يتظلّم

عاطنيها يا نديمي قهوةً

تَخْضِبُ الأَقداح بالصّبغ المُعَنْدَم

وانتَهِبْها فرصةً ممكنة

قبل أن تمضي سدًى أو تتندّم

في رياضٍ قرن البشر بها

فغَدَتْ تقرن ديناراً بدرهم

واعصِ من لامك فيها طائعاً

لذَّة النَّفس فأُنسُ النَّفس ألزم

أترى مستعظم الوِزْر بها

ليس يدري أنَّ عفو الله أعظم

أنْعَمُ العيشة ما قضَّيتها

مع مليحٍ جادلَ بالوصلِ وأنعم

فتعاطاها إلى أن ينجلي

من أسارير الدُّجى ما كانَ أظلم

فترى للصُّبح في إثْر الدُّجى

صارماً من شفق يلطخ بالدم

أو فكانا كجوادي حلبةٍ

راح يتلو أشقرٌ آثار أدهم

رفعَ الفجرُ لنا رايتُه

وتولَّى اللَّيل بالجيش العرمرم

يا لها من ليلةٍ في جنحها

حلّل اللَّهو بها كلّ محرَّم

رقَص البانُ لها من طربٍ

وتثنَّى لحمام يترنَّم

نطقَ العودُ بأسرار الهوى

فسكتنا والأَغاني تتكلَّم

فحسبناها لما قد أطربتْ

أفصحت في مدح عبد القادر القرم

لم تزل منَّا إلى حضرتِه

مِدَحٌ تجبى ومال يتقسّم

حكَّم العافين في أمواله

وهي فيما تشتهيه تتحكّم

هكذا كانَ وما زال كذا

إنَّها شِنْشِنَة من عهد أخزم

لو نظرنا رقَّةً في طبعه

لحسبناهُ نسيماً يتنسّم

فهو مثل الرَّوض وافاه الحيا

رائقَ المنظَر زاهٍ عطر الشّم

لم ترق عيني سوى طلعته

أنا فيها لم أزلْ أنجو من الغم

بيَّضتْ وجهَ المُنى أقلامُه

إنْ يكنْ وجه المُنى أسودَ أسْحم

وَسَطَتْ في الخصم حتَّى أنَّها

فتَكَتْ فتكَ القنا في مهجة الخصم

ملهمٌ يعلم ما يأتي من الأَ

مرِ إنْ شاءَ وبعض النَّاس ملهم

ذاك واري الزّند مغوار النهى

إنْ رمى أصمى وإنْ جاد لأفحم

وإذا أَبهم أمرٌ في العُلى

كشفَتْ آراؤه عن كلِّ مبهم

طار في الأُفق لك الصِّيت الَّذي

كلَّما أنْجَدَ في الأَقطار أتْهم

أَنت والغيث جوادا حلبةٍ

مثلما أَنت مع العلياء توأَم

كم ورَدْنا منكَ عذباً سائِغاً

كالحيا المنهلّ بل أَمرى وأَسجم

وبلغنا من أياديك المنى

فيميناً إنَّ يُمناكَ لكاليم

بأبي أَنت وأُمي ماجداً

وملاذاً في معاليه لمنْ أَم

إنْ ذكرنا فضلَ أرباب النَّدى

كنتَ رأس الكل والرَّأس مقدم

أَنت والله لأندى من حياً

مستهلّ القطر بالجود وأَكرم

أَرغم الله أعاديك بما

يجدع الأَنف به جدعاً ويرغم

وفداك القوم أمَّا كفُّهم

فجمادٌ ونداهم فمحرَّم

وكفاك الله أسواء امرئٍ

ضاحكٌ يُكشر عن أنياب أَرقم

وإليك اليومَ منِّي مِدَحاً

أيُّها المولى وحوشِيتَ من الذَّم

فلسان الحال منِّي مفصحٌ

إنْ يكنْ منِّي لسان القال أَبكم

أنا في مدحك ما بين الورى

أفصَح النَّاس وإنْ لم أتكلَّم

خدم العبد علاكم شعره

أَنت في أمثاله ما زلتَ تُخدم

شاكراً مولاي إحسانك بي

إنَّ إحسانكَ يا مولاي قد عم

إنْ تَفَضَّلتَ على الدَّاعي لكم

بقبولٍ فتفضَّل وتكرَّم

أسأَل الله لعلياك البقا

فابقَ في العزِّ مدى الأَيَّام واسلم

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس