الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

ذلت لعزة دينك الأديان

عدد الأبيات : 84

طباعة مفضلتي

ذلت لعزة دينِكَ الأديانُ

وتكونت بوجودكَ الأكوانُ

يا أيها المولى يسوع ابنُ العلى

أنت الإله الفاطر الديّان

وافيتَنا متجسداً لخلاصنا

من مريمٍ يا أيها الرحمان

واخترتَها من بين أبكار النِسا

وبطهرها يتأكَّد البرهان

قامت وسيطاً بالشفاعة مثلما

أَستيرُ قامت واختزى هامان

وظهرتَ في ناسوتنا متردِّداً

ورآك آدمُ ذلك الإنسان

وبَرزتَ ذا فعلٍ بديعٍ معجِزٍ

يَرويهِ عنكَ الصِدقُ والإذعان

وأمطتَ ذيلَ الكفر لما أن بدا

من نورك الإرشاد والإيمان

وخذلت أوثان الضلال بقوةٍ

قد خاف منها الكفر والشيطان

فارتد نحوك آدمٌ وبنوه من

أسر المُعاند وامتحَى الثعبان

وصعدتَ من بعد اَن هدمتَ حصونَه

وتقوَّضت من بأسك الأركان

لكن محبتك التي فَتحَت لنا ال

ملكوتَ وانطفأت بها النيران

قد حركت من فضل جودك نعمةً

روحيةً وشعارُها الكتمان

فنهضت معتضداً وقد برز الهدى

من فيك والبركاتُ والرضوان

ومنحتنا لرضاك في ذلك العشا ال

سريِّ سرّاً زانه الإحسان

لما تناولتَ اختياراً مُعلِناً

خبزاً وخمراً والرضا برهان

فشكرتَ مغتفراً وقدستَ الذي

بيديك فانطاعت لك الأكوان

وجعلتَه لك بالحقيقة ظاهراً

جسداً يُرَى ودماً به الغفران

وأبنتَه سرّاً عجيباً منقذاً

للمؤمنين وصدقُه العِرفان

يتضمن اللاهوتَ متَّحداً به

والإتحاد يزينه التبيان

فتراه لاهوتاً وناسوتاً معاً

لا يعتريه الشك والنقصان

عن ذلك الجسد الذي قد حزتَه

من مريمٍ وبه الأنام تُصان

ومنحتَناهُ ذخيرةً ننجو به

من عثرة يَرمي بها الطغيان

وبدت شريعتُنا تَحُلُّ رموز ما

رمزَت به عن أُسِّها الأركان

فكأنما الإنجيل للمعنى فمٌ

وكأنَّ توراة الكليم لسان

هذا هو الحَمَل الذبيح عشيةً

قد إضمحلَّ بذبحه القربان

موسى أزال بفَصْحِه عن قومه

أسراً تُخَصُّ بمصره البُلدان

لكن يسوع بفَصْحِه فتح السما

وبه تخلَّص آدمُ الإنسان

تتجدد الأرواح في تجديده

حيناً تجدِّدُ سرَّه الكُهّان

ونحوز منه نعمةً في نعمةٍ

سريةٍ وظهورُها الإيمان

هذا هو القوت الذي من دونه

ذا جائعٌ يوماً وذا عطشان

وذبيحةٌ سريةٌ ذُبحت به ال

أعداءُ والأضداد والأوثان

هذا هو السر الذي فضحت به ال

آثام واغتُسِلت به الأدران

والسُلَّمُ المركوزُ في أفق السما

تسمو به الأرواح والأبدان

هذا هو المنُّ الذي من ذاقه

ذاقَ الحياة وزاره الرحمن

وبه يقوم مشيَّعاً من قبره

مِن دونه تتمزق الأكفان

هذا هو الجسد الإلهي الذي

رُفعت به وبنصره الصلبان

واندقَّ طودُ الكفر منحطّاً به

نحو الحضيض وأدبر الدَبَران

هذا هو الثمر الإلهي الذي

خضعت له الأثمار والأغصان

لو ذاق آدم بعد موتٍ طعمَه

ما مات واهتُصرت له الخُرصان

هذا هو الشجر الإلهي الذي

يَحمي حماه صارمٌ وسنان

من عُوده تُجنَى الحياة وإنما

يفنَى به من مسَّهُ النكران

هذا هو النار التي لم تحترق

بسعيرها الأجرام والأكوان

شَعياً رآها بكفِّ سارافيمها

فتطهرت من لمسها الأذهان

هذا هو الحق الإلهي الذي

بطلت به الأشباه والعنوان

وتهدمت منه الضحايا كلُّها

حتى تلاشى الدُهنُ والقربان

هذا هو الرمز الإلهي الذي

تنحو به التوراة والألحان

داود ينشد نَحوَه مترنماً

وكذاك موسى والنبي يونان

حزقيلُ واَرْمِيّا وشَعياءٌ معاً

والأنبيا كلٌّ له إعلان

هذا هو النور الذي ما أومضت

أسرارُه إلّا بدا الكتمان

فانجاب ليل الكفر منه مذ بدا

وزَهَت وِهادُ الحق والكثبان

هذا هو القوس التي ميثاقُها

يُنبي بأن قد أُبطلَ الطوفان

لو أنْ حَسا نوحٌ شرابَ دمائه

ما نام مفتضحاً وهوْ سكران

هذا هو الفلك المنيف إلى العلا

وبعرشه تَتسوَّم التيجان

أقماره وشموسه ونجومه

الأنبيا والرسل والرهبان

هذا هو القطبُ الذي من حوله

رسلُ البشائر كلهم أعوان

ورحى البشارة حول مركزه إذا

دارت يزول بدورها الطغيان

هذا هو المولى الإلهُ بعزه

وجنودُه من حوله ألوان

حسبي أراه والملائكُ حولَه

ذا راكعٌ خوفاً وذا فرحان

يترنمون بشدوِهِم وهديرُهم

كالوُرْق تَخفِقُ فيهمُ الأفنان

رقت به أصواتهم فترنموا

قُدُّوسُ ربٍّ بالجلال يُزان

فالهيكل السفلي كالعرش العلِي

والسرُّ ربٌّ والدعا ألحان

يا أيها السر الذي نُسخت به ال

أشباهُ وانحطمت به الأوثان

خُفِضت بك الأصنام طرّاً مثلما

رُفعت لنصر حقوقك الصلبان

بك صَدَّقَ الإنجيلَ كلُّ موفَّقٍ

وتداولَت مدحاً له الأزمان

وبك استبان الحق بعد خفائه

حتى أطاعك إنسها والجان

وبك اتخذنا الأمنَ من كيد العدا

ثمَ اُخمدت من طَلِّكَ النيران

بك كاهن الأصنام يَجحَدُ كفرَه

حيناً يرى أصنامَه تنهان

بكَ بيعت الدنيا بأبخس درهمٍ

فانٍ فليسَ لبيعها أثمان

بك قصرُ قيصرَ قد تداعى مذ هوى

من كِسرِهِ كسرى أنوشروان

يا أيها الجسد المقدس والذي

جلَّت به الأقطار والأكوان

إن الكنائسَ من حضورك ظاهراً

فيهن أضحت من يديك تُعان

والمؤمنون كبيرُهم وصغيرهم

متوكلون عليك والوِلدان

فالشرق نحوك ساجدٌ بشموسه

والغرب منك يَحُفُّه اللمعان

والحق منبجس الجوانب مُقمرٌ

والأرض يَطوي طيَّها الرضوان

وتقدس الملكوتُ يوم قَبُوله

جسداً به الإحسان والغفران

ما أخمدَ النيرانَ في سجِّينها

بجهنمٍ وسَجيرُها الشيطان

إلاه والإحسانُ ملءُ جنانه

حَسبي جَنانٌ ملؤُه الإحسان

يا ربِّّ هب لي أن أفوز ببرِّه

فالبر برُّك والسوى هذيان

حتى إذا وافيتَ نحوي زائراً

يَحويك مني مَربعٌ وجَنان

هذا رجائي قبل يوم منيتي

والنفس يُرهِبُ دَينَها الميزان

لا دَين لي إلّا ذنوبي إنها

قد كلَّ عن إحصائهن بَنان

فامحص بعفوك ما أراه باهظاً

بدمٍ به تَتمحَّصُ الأدران

واقبل مديحي واعف عن عجزي به

عن مدح مثلك تَعجزُ الأوزان

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة