الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

طربن لترجيع الغناء المهزج

عدد الأبيات : 102

طباعة مفضلتي

طَرِبنَ لترجيعِ الغناء المُهَزَّجِ

نَواعِجُ حتى جُزْنَ أعلامَ مَنْعِجِ

وخُضنْا بها بحراً من الآل طافحا

فعامتْ بنا مثلَ السّفينِ المُلجَّج

فلمّا طَوتْ كفُّ الدجى سطْرَ أحرفٍ

منَ العيسِ في ظهْرٍ من البيدِ مُدْرَج

ولاحَتْ نجومُ اللّيلِ والصُبحُ مغمَدٌ

كترصيع دُرٍ في قرابِ أرنْدَج

أَلمّتْ بنا تجلو قشيبَ بهائها

أُميمةُ في بُرْدٍ من الليلِ منْهَج

فما سمعَ الأقوامُ قبلَ طُروقها

بشمسٍ بدَتْ والصّبحُ لم يَبتلَّج

وأَنّى خَطَتْ في الرّملِ طُرْقاً خفيّةً

على الحيِّ أن يَقْتافَها أُختُ مُدلِج

خَلَصْنا نَجِيّاً في نَدِيٍّ من الكَرى

ونحن بأسرارِ الصّبابةِ نَنْتَجِي

وقالتْ أترضَى أنّ طَرفَكَ راقدٌ

وأنّيَ من بينِ الأسنّةِ مَخْرَجي

فقلت لها لولاكِ ما بِتُّ ناصباً

شباكَ الكَرى في البيدِ مُصطادَ بحْزَج

فواللهِ ما عهْدي بدَهماءَ ليلةً

تَخُبُّ بجفْنٍ لي على الغُمضِ مُشرَج

ولا دُرُّ دَمْعي خِيفةَ النَّهبِ ساعةً

غَدتْ خلفَ بابٍ لي من العينِ مُرْتَج

كذلك ما زالَ التّعاتُبُ دَأبَنَا

إلى أن رُمينا من هُبوب بِمُزْعِج

وقام خَطيبُ من سَنا الفَجْرِ فارتقَى

على مِنْبرٍ من آبَنوسٍ مُعَوَّج

حَطَبْتُ ضلُوعي ثمَّ أقبسْتُها الهوى

فإن راحَ عَذْلٌ نارَها تَتأجّج

فلا تَسْقِ كأسَ اللّومِ صِرْفاً مَسامعي

ولكنْ بذكْرِ العامريّةِ فامْزُج

عقيلةِ حَيٍّ حامِلينَ لها القَنا

من الخَيْلِ مَعْروضاً على كُلِّ مَنْسِج

لها رُمْحُ قّدٍ كلّما هَزَّه الصِّبا

تَلَقّاهُ من بُعْدٍ فؤادُ المُدَجَّج

تَبِعْتُ لها أخرى الحُمولِ مُشَيِّعاً

على زَبِدٍ عَبْلِ الذِّراعينِ مُدْمَج

تَبرقَعَ بالبدرِ المُنيرِ جَبينُه

ويَرفُل في لّيلٍ بِعطْفَيهِ مُدَّج

فلمّا أَحَسَّ السرْبُ وقْعَ نِعالِه

رَمَيْنَ بعينَيْ كُلِّ أدْماءَ عَوْهَج

ولولا نَسيمُ الرِّيحِ لم يَدرِ ناظرٌ

حَذارَ الغَياري ما ضمائرُ أحدُج

فلا يَقطَعنَّ اللهُ ألسنةَ الصِّبا

بما كشَفتْ للرَّكْبِ عن سِرٍّ هَوْدَج

ويومَ الكثيبِ الفَرْدِ لمّا استفَزَّنا

وادعٌ وكنّا من وُشاةٍ بمَدْرَج

وقفنا فدلسنا على رقبائنا

فظنوا خلياً كل ذي لوعة شج

حطَطْت لثاماً عن مَجودٍ مُوَرَّسٍ

وألقَتْ نقاباً عن أسيلٍ مُضَرَّج

فما زِلت أُذْري دَمعَ عَيْني صبابة

وتُبدي دَلالاً عن شَتيتٍ مُفَلَّج

وقال رَقيبانا دَعُوا لَومَ ناظرٍ

وناظرةٍ لم تَنْوِ سُوءاً فتُحرَج

رَعتْ هِيَ روضَ الزعفرانِ وما درتْ

وحَدّقَ ذا في الشّمس عند التّوهُّج

فبالطبعِ مَجلوبٌ بكاه وضِحكُها

بلا مُحزِنٍ مِمّا ظَنَنّا ومُبهِج

أصاحِ تَرى بَرْقَ المشيبِ تَهُزُّه

يدا قادحٍ في ليلِ فَودَيْك مَسْرِج

تغنم فأطرب الشبيبة فرصة

كأمس متى يذهب عن المرء لايجي

وما حلية الأعمارِ إلا مُعارةٌ

فخلِّ لها خَيلَ البَطالةِ تَمْعَج

ولمّا رأيتُ اللهوَ حانَ وداعهُ

وقالَ الصِّبا إلا أَرُحْ منكَ أُدلِج

غَمسْتُ فؤادي في الجهالةِ غَمْسةً

وقلتُ له امْرَحْ ما بدا لك وامرُج

ومَن رام نَزْعَ الثّوبِ يَدْخُلْ بوَجهه

وكفّيهِ فيه دَخلةً ثمَّ يُخْرج

وقد كنتُ مثلَ الطّودِ مُدَّتْ ظِلالُه

على رَوضِ عَيْشٍ بالشّباب مُدبَّج

فقد ثُلِجَتْ منّي الذُّوابةُ كَبرةً

ومَن يَبْقَ حتَّى يَشْتُوَ العُمرُ يُثلَج

تَعجّبْتُ من راجي سِقاطي بعدما

غدا نَقْدُ فَضْلي هازئاً بالمُبَهْرَج

أُجاملُ أقواماً على ما يريبني

حياءً ومن يَمرُرْ على الصّحب يُمجَج

وأسكتُ إبقاءً وعندي مَقالةٌ

مُفّوَّفةٌ إن تَصدِمِ الصدرَ تَلْعَج

ولست وإنْ أمسكْت للضَّيم مركباً

ولكنَّ حِلْمِي مُلْجَمٌ غيرُ مُسْرَج

وكم صاحبٍ داريْتُ أمزجُ جَهْله

بحِلْمِي أزماناً فلم يتَمَزَّج

ولستُ ولو شمَّمتُه الورْدَ جانباً

سوى الشّوكِ يُدمي الكفَّ من جِذْم عَوْسج

دعوتُ لإسعادي على الدَّهر دعوةً

وبيَّنْتُ في الأقوام غيرَ مُلَجْلج

فلم أرَ إلا عند أبناء أرْحَبٍ

وفاءً وإلا عند أبناء أعْوج

جنَبْتُ إلى مَهريَّةٍ كلَّ مُهرة

متى تَعْلُ لطْماً هامةَ البِيدِ تشْجُج

وراوحْتُ بين السَّرجِ والكُورِ سابقاً

على مِثْلِ خفاقِ الجناحَيْنِ أخْرج

كأني خيالٌ طارِقٌ أسلُكُ الفَلا

على الهَوْلِ في طَرْفٍ من اللّيلِ أدعج

إلى جاعلٍ عزاً مكانِيَ عَيْنَه

ومَن يَعشَقِ العلياءَ بالوفدِ يَلْهَج

ولولا امتداحي تاجَ دينِ مُحمدٍ

لَعِفْتُ لأبواب المُلوكِ تَولُّجي

ولكنّ إحسانَ الحُسَينِ أهاب بي

فقلتُ لحادي الأرحبيّةِ عَرِّج

أيا ماجداً تَغْشَى الوفودُ فِناءهُ

ومَنْ يَك بيتاً للمكارِم يُحجَج

ثِقافُ لهذا المُلْكِ ما زال رأيُه

يُقوِّم من أطرافِه كلَّ أعْوج

إذا أثَّفَتْ يوماً ثلاثَ أناملٍ

له قلَماً يَقْدِرْ أُموراً ويُنْضِج

ربيطٌ إذا ما قَعقع الخَطْبُ جأْشَه

وجَلَّ ابن غابٍ أن يُخشَّى بهَجْهَج

أخو صدقاتٍ صادقاتٌ يُسِرُّها

بِيُمناه مِن يُسراه فَرْطَ تَحرُّج

يَجودُ بلا بَرْقٍ ورَعْدٍ غَمامُها

على كلِّ حُر ذي دَريسَيْنِ مُلْفَج

إذا ذُكرَتْ أخلاقُه الزُّهْرُ ذَكرَةً

بأرضٍ وتَهبُبْ فوقَها الرِّيحُ تأرج

من القاسِمِيِّينَ الذين وجوهُهم

متى ما تَلُحْ في المأزِقِ الضَّنكِ يُفْرَج

إذا ما انتَمَوا في آلِ شَيبانَ صُودِفوا

إلى عِيصِ مَجْدٍ فيهمُ مُتَوشَّج

ملوكٌ تَهادَى النّاطقون تهادياً

بكلِّ حديثٍ عن عُلاهم مخَرَّج

لهمُ يومُ ذي قارٍ وقد رَكزَوا القنا

بأطْرافها ما بينَ أحشاءِ أَعْلُج

مُقامٌ به باهىَ النَّبيُّ وأنتمُ

فوارسهُ في ظِل أقتمَ مُرهِج

كسَرتُم جناحَيْ جيشِ كسرى وقلبَهُ

بضرْبٍ كما ألهَبْتَ نيرانَ عَرفَج

غداةَ دلَفْتُم بالرِماحِ شوائلاً

تَرى النّقْعَ فيها مثل ثوبٍ مُفَرَّج

بإسلامِكم والجاهليةِ قبلَه

أُديِلَ الهُدَى حاجِجْ بذلك تَحْجُج

فللّهِ أسلافٌ وأخلافُ سُؤدَد

لكَم نَهَجوا العلياءَ أوضَحَ مَنْهَج

غَنُوا في ديارِ العُجْم عزّاً وإنّما

نَماهم ملوكُ العُرْبِ من كل أبلَج

هُمُ افتتَحوها ثمَّ حلُّوا نِجادَها

وما الليثُ عمّا صادَه بمُهَيَّج

لهم صافناتُ الخيلِ مِلْءَ عِراصهم

لخائفِ قومٍ يَعْتَري أو لِمُرْتَج

ومَضْروبةٌ خَمْساً لغيرِ جريمةٍ

بأبوابهم ضَرْباً بكلِّ مُحَدْرَج

تَوابعٌ أسْرابِ المُثوِّبِ مثلما

يَلِى الرّعدَ لَمْعُ البارقِ المتبرِّج

أيا واحداً قد حَلّ للمجدِ ذِروةً

إذا حّلَّ كلٌّ في حواشٍ وأثْبُج

بكَ اللهُ رَبُّ العرشِ تَوَّجَ دينه

وقبلَك دينُ اللهِ لم يَتَتَوَّج

لأنتَ المُحلُّي لا المُحَّلي بمَنْصبٍ

فخَلِّ الحسودَ النّكْسَ يَبْكِ ويَنْشج

لئن رُفّهَ الصَّمصامُ بالغِمْد مَرّةً

لَمُرتقَبٌ منه وَشيكَ التَّبَرُّج

وإن يجْزعوا أن قيلَ لازِم بيتهِ

وإن كان نَجْماً حلَّ في خَير أبْرج

فلا يَيْأسَنْ حُرُّ وبَيتُ عطارِد

له شَرَفٌ فاليومَ أعظَمُ ما رُجى

مَلكتَ بمَوروثِ العَلاء تَحلِّياً

فلستَ إلى الحَلْىِ المُعارِ بمُخْرَج

ومهما أبىَ جِيدُ الحَمامِ حُلَى الورى

فما هو من طَوْقِ الإله بمُخرَج

أرى الفَضْلَ من غيرِ التَفضُّلِ حِلْيةً

متى يُجْلَ فيها المرءُ يَحْسُن ويَسْمج

وكم مُلهَجٍ بالشِعْر لكنْ لسانُه

لِراجيهِ عن إنعامِه مثْلُ مُلْهِج

إذا رُحت عنه باحثاً قال خُلْقُه

لمَدْحِيَ ما هذا بعُشِّكَ فادْرج

أطلْتُ لأبناء الزَمانِ تَوسُّمي

فلم أرَ في الفِتْيانِ غيرَ مُزَلَّج

فمَن ذا بتأميرٍ أُخاطِبُ منهمُ

وقد صارَ كلُّ القومِ واليَ مَنبِج

فأُقسِمُ لولا الغُرُّ من آلِ قاسمٍ

لقَلَّ على أهلِ الجبالِ مُعَرَّجي

أولئك أجوادٌ بنانُ أكفّهِم

ضَرائرُ أخلافِ السَّحابِ المُثَجَّج

كأنّي وقد ألقيتُ رحْلي إليهمُ

أقمْتُ ثَوِيّاً بينَ أوسي وخَزْرجي

أرحْتُ إلى فِكْري من الشِّعْرِ عازباً

وغَيْري الّذي إنْ يُنْتِج القولَ يُخْدِج

فَرصَّعْتُ في تاج على الدّينِ درّةً

تَخيّرتُها من بَحْرِيَ المُتَمَوِّجِ

من الكَلِمِ الغُرِّ اللَّواتي كأنّها

رياضٌ لعَيْنِ النّاظرِ المُتفَرِّج

نجومٌ لترغيبِ الورى في اقتِنائها

وتَخْليدِ ذِكْرسائلٍ متَأرّج

تَرى للَّيالي دائماً من صِغارِها

بكّفِّ الثريّا سِتّةً كالنّموذَج

بَقيِتَ ونَدْباً ماجِداً أنت صِنْوُه

قَرينَيْينِ في ضافٍ منَ العيشِ سَجْسَج

تَدومان فَرْعَيْ دَوحةٍ قاسِميّةٍ

كثيرةِ أفنانٍ إذا جاءَ مُلْتَج

كفَى بِبَني الكافي لِمُلْكٍ إنارةً

برأْيٍ لغَمّاءِ الخطوبِ مُفَرِّج

سماءُ عُلا ما يَبْرَحُ الدَّهرَ سامياً

إليها رجاءُ النّاسِ من كلِّ مَعْرَج

أبوهم وهم كانوا كسَبعةِ شُهبِها

فإن تَمْضِ أنوارُ النُّجومِ وتَدْرُج

ففي قَمَرَيْها من سناً ما كفَى الورى

إذا سفَرا عن كلِّ وجْهِ مُسَرَّج

نَظيمٌ لجِيدِ الفخرِ من جوهرِ العُلا

بسِلكِ بقاءٍ جامعٍ غيرِ مفْرَج

فَدُمْ في ظلالِ العِز مُستمتِعاً بهم

ونَورِزْ بسَعْدٍ ألفَ عامٍ ومَهْرِج

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني

تصنيفات القصيدة