الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

جاء الربيع بورده وبهاره

عدد الأبيات : 49

طباعة مفضلتي

جاءَ الرَّبيعُ بوردِهِ وبهارِهِ

فَلْيَسْعَ ساقينا بكأس عقاره

وليشربنَّ الرَّاح ناشد لذَّة

لم يُلفِها إلاَّ لدى أزهاره

يا أيُّها الندماء دونكم الَّتي

تشفي نجيَّ الهمِّ بعد بواره

صفراء صافية تزيل بصفوها

ما كابدَ الإِنسان من أكداره

يسعى بها أحوى أغنُّ كأَنَّه

ريمُ الفلاة بجيده ونفاره

في مجلسٍ بزغَتْ شموسُ مرامه

وجلى لنا فيه سنا أقماره

لله ما فعلَ السُّرور بموطنٍ

تجري كُمَيْتُ الرَّاح في مضماره

أمبادرَ اللّذّات أَيَّةَ آية

أجرى بسعي منادمٍ وبداره

خذها إذا اكْتَسَتِ الكؤوس بصبغها

خلع الوَقُورُ بها ثياب وقاره

ومورد الوَجَنات إنْ حيَّيْتَه

حيّى بوجنته وآس عذاره

ظبيٌ أُسودُ الغاب من قُتَلائِه

وصوارم الأَلحاظ من أنصاره

قمرٌ إذا ما لاحَ ضوءُ جبينه

أَصلى فؤادَ الصَّبِّ جذوةَ ناره

ويقول ثائر من أُبيدَ بلحظه

من آخذٌ يا للرجال بثاره

إنِّي لأعْلَمُ أَنَّه في ريقه

ما راح يسقي الرَّاح في مِسْطاره

فرشَ الرَّبيعُ لنا خمائِلَ سُنْدُسٍ

خضرٍ تَفوحُ برنده وعراره

شكراً لآثار الغَمام بروضهِ

فَلَهُ اليدُ البيضاءُ في آثاره

روضٌ محاسنُ أَرضِه كسمائه

وشروقُ بهجة ليله كنهاره

فاشرب على النَّغمات من أطياره

فكأَنَّها النغماتُ من أوتاره

تتراقَصُ الأَغصان من طربٍ به

ما بينَ شدوِ حمامه وهزاره

لا تنكروا ميلَ الغصونِ فإنَّما

هذي الغصونُ شَرِبْنَ من أنهاره

وإذا أَتى فصلُ الرَّبيع فبادروا

لتناهب اللّذّات في آذاره

فكأَنَّه وَجْه الخرائد مسفراً

كلّ الجمال يلوحُ في أسفاره

وتَنَزَّهوا في كلّ روضٍ معشبٍ

لا سيَّما بالغضِّ من نوَّاره

ولقد أسَرَّ لي النَّسيم أَريجَه

خبراً رواه العِطر عن عَطَّاره

فإذا تَنَفَّستِ الصّبا باحتْ بما

كتمته بالأَنفاس من أسراره

يا حبَّذا زمنٌ يزيدك بهجةً

يحكي عليَّ القدر باستيثاره

متهلّل للوافدين كأَنَّه

روضٌ سقاه الغيث من مدراره

فتعطَّرَتْ أنفاسه وتبرَّجت

أزهاره في وَبْلِهِ وقطاره

نَشَرَتْ محاسنُ طيّه من بعد ما

سَحَبَ السَّحاب عليه فضلَ إزاره

ذاكَ النَّقيب له مناقبُ جَمَّةٌ

عَدَدَ النُّجوم يَلُحْنَ من آثاره

بأبي الشَّريف الهاشميّ فإنَّه

سادَ الأنامَ بمجده وفخاره

زاكي العناصر طيِّبٌ من طيِّبٍ

فَرْعٌ رسول الله أَصْلُ نجاره

نورُ النُّبوَّة ساطعٌ من وجهه

أوَ ما نرى ما لاحَ من أنواره

عذب النوال لسائليه وإنَّه

كالشّهد تجنيه يدا مشتاره

تيَّار ذاك البحر يعذُبُ ماؤه

فاغرفْ نميرَ الماء من تيَّاره

كرِّرْ حديثك لي بمدْح ممجَّدٍ

يحلو إلى الأَسماع في تكراره

إنْ أَمْتَدِحْهُ بألفِ ألف قصيدةٍ

لم أَبْلُغِ المعشار من معشاره

جَرَّدْته لوَ انَّ الدهر حازَ أمانه

ما جارَ معتدياً على أحراره

هو رحمةٌ نزلتْ على أخياره

وهو الخيار المصطفى لخياره

فَلَقَدْ تعالى في علوِّ مقامه

حتَّى رأيت البدر من أنظاره

أَمِنَ المخوفَ من الزَّمان كأَنّما

أخَذَ العهودَ عليه من أخطاره

اليُمن كوَّن واليسارُ كلاهما

في الدَّهر طوع يمينه ويساره

أميسّر الأَمر العسير أَعِدْ إلى

عبدٍ يراكَ اليسر في إعساره

نظراً تريه به السَّعادة كلَّها

يا مَن يراه السَّعد في أنظاره

مستحضر فيك المديح وحاضرٌ

منك الغنى أبداً مع استحضاره

يا سيِّداً لا زال في إحسانه

من فضله بلجينه ونضاره

أوليته منك المكارم فاجتنى

ثمرات غرسِ يديك من أفكاره

فلكم غرستَ من الجميل مغارساً

كانَ الثناء عليك من أثماره

واقْبَلْ من الدَّاعي لمجدك عُمْرَهُ

ما يستقلّ لديك من أشعاره

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

تصنيفات القصيدة