الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

أمن بعد الهمام القرم وادي

عدد الأبيات : 58

طباعة مفضلتي

أمِنْ بعد الهُمام القَرْم وادي

تَصوبُ غمامةٌ ويسيل وادي

وهل يسقي الغمامُ بني زبيدٍ

فتنقع غلة ويبلّ صادي

لتصدى بعده الورّاد طرا

وأين الماء من غلل الصوادي

شديد البأس أروع مستشيط

يرد شكيمة الكرب الشداد

فكيف يقوده صرف المنايا

وكنت عهدته صعب القياد

قريباً كانَ ممَّن يَرْتَجيه

رماه الحتفُ منّا بالبعاد

وذخر الأنجبين وكلّ ذخر

ستسلِمه الخطوبُ إلى النفاد

فقدنا صبحَ غرَّته بليل

كسا الأيام أردية السواد

وروّعت النجوم الزهر حتَّى

برزن من الدجنّة في حداد

كأنَّ له من الأحشاء قبراً

فؤادي لو شققت على فؤادي

يعز على العوالي والمعالي

وسمر الخط والخيل الجياد

أسيرٌ بين أيديها المنايا

فلا يُفدى وإن كثر المفادي

يغضّ الطرف لا عن كبرياء

ولم يشغل بمكرمة ودادي

فليس القول منه بمستعاد

وليس الجود منه بمستفاد

يبيت بلا أنيس بين قومٍ

نيامٍ لا تَهُبُّ من الرقاد

ولو يفدى فدته إذَن رجال

عوادٍ بالسيوف على الأعادي

وحالت دونه بيض حداد

شفعن بزرقة السمر الصعاد

ولاجتهدت بمنعته عقول

لها في الرأي حقّ الاجتهاد

ولكن قد أصيبَ بسهم رامٍ

قضى أن لا يرد عن المراد

وليس لما قضاه الله ردٌ

وأمرُ الله يجري في العباد

أرى الآجال تطلبنا حثيثاً

ونحن من الغواية في تهاد

وأعمار تناكَصُ بانتقاص

وآمال تهافت بازدياد

وقد غلبت لشقوتنا علينا

وكاد الغيُّ يمكر بالرشاد

ونطمع بالبقاء وما برحنا

نُرَوَّعُ بالتفرّق والبعاد

نودّع نائياً بالرغم منا

إلى سفر يطول بغير زاد

ونسلو عن أحبتنا ولسنا

بملتقيين إلاَّ في المعاد

لقد عظم المصاب وجل رزءٌ

بفقد المكرمين من البلاد

فقدنا وادياً فيها فقلنا

على الدنيا العفا من بعد وادي

وفلَّ الموت مضرب هندوانٍ

وأرزى بالحمائل والنجاد

أذوب عليك بالحزن إدّكاراً

وأشرقَ منك بالماء البراد

ولي نفسٌ تَلهبُ عن زفيرٍ

كما طار الشَّرار عن الزناد

على ليث هزبر تكاد منه

ليوث الغاب تصفد في صفاد

يماط عن الثياب وكان يكسو

غداة الروع سابغة الدؤادي

قد انقشعت سحابة كلّ عافٍ

بوبل القطر في السنة الجماد

وكدرت المشارب بعد صفو

وما يجديك رفق من ثماد

هي الأيام لا تصفو لحيًّ

ولا تبقي الموالي والمُعادي

ألَمْ تنظر لما صنعت بعادٍ

وأقيالٍ مضت من بعد عاد

وما أدري على أيّ اتكال

وثقنا بالسلامة واعتماد

فكم نطأ الرماد ونحن ندري

ونعلم أنَّ جمراً في الرماد

وهبنا مثل نبت الزرع ننمو

فهل زرع يدوم بلا حصاد

وتهلِكُ أمَّة وتجيء أخرى

ويخفى ذا وهذا اليوم بادي

على هذا اطّراد الدهر قِدماً

فكيف نروم عكس الاطراد

لقد كانت بيوت بني زبيد

ولا أرمٌ بها ذات العماد

فراحت كالسوام بغير راع

وضلّت كالجمال بغير حاد

فمن للجود بعدك والعطايا

ومن للحرب يقدم والجلاد

فلا تستسقيا غيثاً مريعاً

وقرّي يا صوارم في الغماد

فقد فَقَدَ المكارم ناشدوها

فلا جود يؤمل من جواد

بربك هل سمعت لنا نداءً

وما يغني النداء ولا التنادي

أما أنتَ المجيب لكل هول

ببيض الهند والزرق الحداد

ومنتدب الكماة ومقتداها

إذا انتدب الفوارس للطراد

ووابل صوبها المنهل تندى

بنائله الروائح والغوادي

فمن يدعى وقد صمَّ المنادي

فوالهف الصريخ عن المنادي

بللتك بالنجيع نجيع دمعي

وأقلامي بمسود المداد

وقد قلت الرثاء وثَمَّ قولٌ

يثير لظى حشاً ذات اتقاد

فليتك كنت تسمع فيك قولي

وما أبديه من محض الوداد

تشق لها قلوب لا جيوب

ولو كانت أفظّ من الجماد

قوافٍ تقطر العبرات منها

وتستسقى لك الديم الغوادي

إذا ناحت عليك بكلّ نادٍ

بكينا المكرمات بكل ناد

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

تصنيفات القصيدة