الديوان » العصر المملوكي » ابن الخياط »

هبوا طيفكم أعدى على النأي مسراه

عدد الأبيات : 59

طباعة مفضلتي

هَبُوا طَيْفَكُمْ أَعْدى عَلَى النَّأْي مَسْراهُ

فَمَنْ لِمَشُوقٍ أَنْ يُهَوِّمَ جَفْناهُ

وَهَلْ يَهْتَدِي طَيْفُ الْخَيالِ لِناحِلٍ

إِذا السُّقْمُ عَنْ لَحْظٍ الْعَوائِدِ أَخْفاهُ

غِنىً فِي يَدِ الأَحْلامِ لا أَسْتَفِيدُهُ

وَدَيْنٌ عَلَى الأَيّامِ لا أَتَقاضاه

وَما كُلُّ مَسْلُوبِ الرُّقادِ مُعادُهُ

وَلا كُلُّ مَأْسُورِ الْفُؤَادِ مَفاداهُ

يَرى الصَّبْرَ مَحْمُودَ الْعَواقِبِ مَعْشَرٌ

وَما كُلُّ صَبْرٍ يَحْمَدُ الْمَرْءُ عُقْباهُ

لِيَ اللهُ مِنْ قَلْبٍ يُجَنُّ جُنُونُهُ

مَتى لاحَ بَرْقٌ بِالْقَرِينَيْنِ مَهْواهُ

أَحِنُّ إِذا هَبَّتْ صَباً مُطْمَئِنَّةٌ

حَنِينَ رَذايا الرَّكْبِ أَوْشَكَ مُغْداهُ

خَوامِسَ حَلاّها عَنِ الْوِرْدِ مَطْلَبٌ

بَعِيدٌ عَلَى الْبُزْلِ الْمَصاعِيبِ مَرْماهُ

هَوىً كَلَّما عادَتْ مِنَ الشَّرْقِ نَفْحَةٌ

أَعادَ لِيَ الشَّوْقَ الَّذِي كانَ أَبْداهُ

وَما شَغَفِي بِالرِّيحِ إِلاّ لأَنَّها

تَمُرُّ بِحَيٍّ دُونَ رامَةَ مَثْواهُ

أُحِبُّ ثَرى الْوادِي الَّذِي بانَ أَهْلُهُ

وَأَصْبُو إِلى الرَّبْعِ الَّذِي مَحَّ مَغْناهُ

فَما وَجَد النِّضْوُ الطَّلِيحُ بَمِنْزِلٍ

رَأْى وِرْدَهُ فِي ساحَتَيْهِ وَمَرْعاهُ

كَوَجْدِي بِأَطْلالِ الدِّيارِ وَإِنْ مَضى

عَلَى رَسْمِها كَرُّ الْعُصُورِ فَأَبْلاهُ

دَوارِسَ عَفّاها النُّحُولُ كَاَنَّما

وَجَدْنَ بِكُمْ بعْدَ النَّوى ما وَجَدْناهُ

أَلا حَبَّذا عَهْدُ الْكَثِيبِ وَناعِمٌ

مِنَ الْعَيْشِ مَجْرُورُ الذُّيُولِ لَبِسْناهُ

لَيالِيَ عاطَتْنا الصَّبابَةُ دَرَّها

فَلَمْ يَبْقَ مِنْها مَنْهَلٌ ما وَرَدْناهُ

وَللهِ وادٍ دُونَ مَيْثاءِ حاجِرٍ

تَصِحُّ إِذا اعْتَلَّ النَّسِيمُ خُزاماهُ

أُناشِدُ أَرْواحَ الْعَشِيّاتِ كُلَّما

نَسَبْنَ إِلى رَيّا الأَحْبَّةِ رَيّاهُ

أَناشَتْ عَرارَ الرَّمْلِ أَمْ صافَحَتْ ثَرىً

أَغَذَّ بِهِ ذاكَ الْفَرِيقُ مَطاياهُ

خَلِيَليَّ قَدْ هَبَّ اشْتِياقِي هُبُوبُها

حُسُوماً فَهَلْ مِنْ زَوْرَةٍ تَتَلافاهُ

أَعِينا عَلَى وَجْدِي فَليْسَ بِنافِعٍ

إِخاؤُكُما خِلاًّ إِذا لَمْ تُعِيناهُ

أَما سُبَّةٌ أَنْ تَخْذُلا ذا صَبابَةٍ

دَعا وَجْدَهُ الشَّوْقُ الْقَدِيمُ فَلَبّاهُ

وَأَكَمَدْ مَحْزُونٍ وَأَوْجَعُ مُمْرَضٍ

مِنَ الْوَجْدِ شاكٍ لَيْسَ تُسْمَعُ شَكْواهُ

شَرى لُبَّهُ خَبْلُ السَّقامِ وَباعَهُ

وَأَرْخَصَهُ سَوْمُ الْغَرامِ وَأَغْلاهُ

وَبِالْجِزْعِ حَيٌّ كلِّما عَنَّ ذِكْرُهُمْ

أَماتَ الْهَوى مِنِّي فُؤاداً وَأَحْياهُ

تَمَنَّيْتُهُمْ بِالرَّقْمَتَيْنِ وَدارُهُمْ

بِوادِي الْغَضا يا بُعْد ما أَتَمَنّاهُ

سَقى الْوابِلُ الرّبْعِيُّ ماحِلَ رَبْعِكُمْ

وَراوحَهُ ما شاءَ رَوْحٌ وَغاداهُ

وَجَرَّ عَلَيْهِ ذَيْلَهُ كُلُّ ماطِرٍ

إِذا ما مَشى فِي عاطِلِ الْتُّرْبِ حَلاّهُ

وَما كنْتُ لُوْلا أَنَّ دَمْعِيَ منْ دَمٍ

لأَحْمِلَ مَنّاً لِلسَّحابِ بِسُقْياهُ

غَلى أَنَّ فَخْرَ الْمُلْكِ لِلأَرْضِ كافِلٌ

بِفَيْض نَدىً لا يَبْلُغُ الْقَطْرُ شَرْواهُ

بَصُرْتُ بِأُمّاتِ الْحَيا فَظَنَنْتُها

أَنامِلَهُ إِنَّ السَّحائِبَ أَشْباهُ

أَخُو الْحَزْمِ ما فاجاهُ خَطْبٌ فَكادَهُ

وَذُو الْعَزْمِ ما عاناهُ أَمْرٌ فَعَنّاهُ

وَساعٍ إلى غاياتِ كُلِّ خَفِيَّةٍ

مِنَ الْمَجْدِ ما جاراهُ خَلْقٌ فَباراهُ

بِهِ رُدَّ نَحْوِي فائِتُ الْحَظِّ راغِماً

وَأَسْخَطَ فِيَّ الدَّهْرُ مَنْ كانَ أَرْضاهُ

تَحامَتْنِيَ الأَيّامُ عِنْدَ لِقائِهِ

كَأَنِّيَ فِيها بَأْسُهُ وَهْيَ أَعْداهُ

إِلَيْكَ رَحَلْتُ الْعِيسَ تَنْقُلُ وَقْرَها

ثَناءً وَلِلأَعْلى يُجَهَّزُ أَعْلاهُ

وَلا عُذْرَ لِي إِنْ رابَنِي الدَّهْرُ بَعْدَما

تَوَخَّتْكَ بِي يا خَيْرَ مَنْ تَتَوَخّاهُ

وَرَكْبٍ أَمَاطُوا الْهَمَّ عَنْهُمْ بِهِمَّةٍ

سَواءٌ بِها أَقْصى الْمَرامِ وأَدْناهُ

قَطَعْتُ بِهِمْ عَرْضَ الْفَلاةِ وَطالَما

رَمى مَقْتَلَ الْبَيْداءِ عَزْمِي فَأَصْماهُ

وَسَيْرٍ كَإِيماضِ الْبُرُوقِ وَمَطْلَبٍ

لَبِسْنا الدُّجى مِنْ دُونِهِ وَخَلَعْناهُ

إِلى الْمَلِكِ الْجَعْدِ الْجَزِيلِ عَطاؤُهُ

إِلى الْقَمَرِ السَّعِدْ الْجَمِيلِ مُحَيّاهُ

إِلى رَبْعِ عَمّارِ بْنِ عَمّارِ الَّذِي

تَكَفَّلَ أَرْزاقَ الْعُفاةِ بِجَدْواهُ

وَلَمّا بَلَغْناهُ بَلَغْنا بِهِ الْمُنى

وَشِيكاً وَأَعْطَيْنا الْغِنى مِن عَطَاياهُ

فَتىً لَمْ نَمِلْ يَوْماً بِرُكْنِ سَماحِهِ

عَلَى حَدثانِ الدَّهْرِ إِلاّ هَدَمْناهُ

مِنَ الْقُوْمِ ياما أَمْنَعَ الْجارُ بَيْنَهُمْ

وَأَحْلَى مَذاقَ الْعَيْشِ فِيهِمْ وَأَمْراهُ

وَأَصْفى حَياةً عِنْدُهمْ وَأَرَقَّها

وَأَبْرَدَ ظِلاًّ فِي ذَراهُمْ وَأَنْداهُ

اَغَرُّ صَبِيحٌ عِرْضُهُ وَجَبِينُهُ

كَأَنَّهُما أفْعالُهُ وَسَجاياهُ

لَكَ اللهُ ما أَغْراك بِالْجُودِ هِمَّةً

سُرُوراً بِما تَحْبُو كَأَنَّكَ تُحْباهُ

دَعَوْنا رَقُودَ الْحَظِّ بِاسْمِكَ دَعْوَةً

فَهَبَّ كَأَنّا منْ عَقالٍ نَشَطْناهُ

وَجُدْتَ فَأَثْنَيْنا بِحَمْدِكَ إِنَّهُ

ذِمامٌ بِحُكْمِ الْمَكْرُماتِ قَضَيْناهُ

مَكارِمُ أَدَّبْنَ الزَّمان فَقَدْ غَدا

بِها مُقْلِعاً عَمّا جَنى وَتَجَنّاهُ

أَيامَنْ أَذاك الدَّهْرُ حَمْدِي فَصانَهُ

وَقَلَّصَ ظِلَّ الْعَيْشِ عنِّي فَأَضفْاهُ

وَعَلَّمَنِي كَيْفَ الْمَطالِبُ جُودُهُ

وَما كنْتُ أَدْرِي ما الْمَطالِبُ لَوْلاهُ

لأَنْتَ الذِي أَغْنَيْتَنِي وَحَمَيْتَنِي

لَيالِيَ لا مالٌ لَدَيَّ وَلا جاهُ

أَنَلتَنِيَ الْقَدْرَ الَّذِي كنْتُ أَرْتَجِي

وَأَمَّنتَنِي الْخطْبَ الَّذِي كُنْتُ أَخْشاهُ

وَأَمْضَيْتَ عَضْباً مِنْ لِسانِيَ بَعدَما

عَمِرْتُ وَحَدّاهُ سَواءُ وَصَفْحاهُ

وَسَرْبَلَتْنِي بِالْبِرِّ حتّى تَرَكْتَنِي

بِحَيْثُ يَرانِي الدَّهْرُ كُفْؤاً وَإِيّاهُ

فَدُوْنَك ذا الْحَمْدَ الَّذِي جَلَّ لَفْظُهُ

وَدَقَّ عَلَى الإفْهامِ فِي الْفَضْلِ مَعْناهُ

فَلا طُلَّ إلاّ منْ حبائِكَ رَوْضُهُ

وَلا باتَ إلاّ فِي فِنائِكَ مَأْواهُ

معلومات عن ابن الخياط

ابن الخياط

ابن الخياط

أحمد بن محمد بن علي بن يحيى التغلبي، أبو عبد الله، المعروف بابن الخياط. شاعر، من الكتاب، من أهل دمشق، مولده ووفاته فيها. طاف البلاد يمتدح الناس، ودخل بلاد العجم،..

المزيد عن ابن الخياط

تصنيفات القصيدة