الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

سرى كما يسري القمر

عدد الأبيات : 108

طباعة مفضلتي

سَرى كما يَسري القَمَرْ

والليّلُ مُسوَدُّ الطُّرَرْ

زَوْرٌ سرَى على خَفَر

طوَى الفلا وما شعَر

بدْرٌ دُجاهُ مِن شَعَر

عَجِبتُ والليّلُ اعتكَر

مَعْ نورهِ كيف استَتر

أَوجُهُه حينَ سفَر

بسِحْرِ طَرْفٍ ذي حَوَر

لأعينِ النّاسِ سَحَر

فجاء كالبَدْرِ ومَر

ولم يَرَوا منه أثَر

أما أنا لمّا حضَر

كأنّه إحدَى الصُّور

خَبأْتُه من الحَذَر

في ناظري عنِ البَشَر

يا زائراً لم يُستَزَر

أحلَلْتُهُ منّي البَصَر

فَعَوَّضَ العينَ السّهَر

لمّا رأَى أُنْسي نَفَر

ولم يَصِلْ حتّى هَجَر

وزوَّد الصّبَّ الذِّكَر

فقُمتُ والدّمعُ درَر

أَكُفُّ منه ما بَدَر

وأكتُمُ الصَّحبَ الخَبَر

ونحن أبناءُ سَفَر

من وطَنٍ إلى وَطَر

إلى بَعيرٍ قد ضَمُر

رَعى بأعْلى ذي نَفر

بينَ رياضٍ وزَهَر

كأنّها نَشْرُ الحِبَر

يأخُذُ نَبْتاً ويَذَر

في أُنُفٍ منَ الخُضَر

ونُطَفٍ فيها خَصَر

حتّى أتَى مِلْءَ الضُّفُر

يُلاعِبُ الظِّلَّ أَشر

فمَرّ كالسَّيلِ انحدَر

يَقسِمُ عينَيْه حَذَر

بينَ الطّريقِ المُبتَدَر

ووَقْعِ مَفْتولِ المرَر

بعِطْفِه عنه زَوَر

حتّى إذا الحادي نَعَر

طوَى بلاداً ونَشَر

إلى ذُرا مَلْكٍ أَغَر

إليه للخَلْقِ المَفَر

تَجْري يَداهُ بالبِدَر

جَرْيَ القضاء والقَدَر

وزيرُ صِدْقٍ مُذ وَزَر

أصبحَ للمُلْكِ وَزَر

نَهَى مُطاعاً وأَمَر

وساء مَن شاء وسَر

ونَفع النّاسَ وضَر

ذو سيرةٍ من السِّيَر

تُتلَى كما تُتلى السُّورَ

إن وتَر الدّهرُ ثأر

أو نُسِيَ العَهدُ ذَكَر

أو عَظُمَ الذَّنْبُ غَفَر

أو جَمَد النّوْءُ مَطَر

أو خفَّتِ الخَيلُ وقَر

مهما رأى الشّرَّ فَغَر

قام كريماً وصَبَر

وقال أمْرٌ قد قُدِر

وأرسَلَ الخَيلَ زُمَر

عَوابِساً معَ الغُرَر

نوافِضاً فيها العُذَر

تَصلَى إذا النّبْعُ انْأطَر

ناراً لها النَّبْلُ شَرَر

حتّى ثنَى البِيضَ كِسَر

وقَصَّرَ الضَّرْبُ قَصَر

بخَطْفِها المُلْكُ اسَتقَر

ورُبَّ نَفْعٍ في ضَرَر

يا مالكاً قدِ اقتَدَر

إليك منك الدَّهرُ فَرّ

فكُنْ مُقيلاً إن عَثَر

دهْرٌ جنَى ثُمَّ اعتَذَر

مُحَكَّماً فيما شَجَر

وماكِراً بمَنْ مكَر

لم يَبْقَ والبَغيُ غَرَر

باغٍ على البَغْيِ أصَر

أعلَن ذاكَ أو أسَر

إلاّ له اللهُ كَسَر

ولم يُغادِرْ مَن غَدَر

وفي الزّمانِ مُعتَبَر

إن كان فينا مُصطَبَر

فاصنَعْ صنيعَ مَن شكَر

مَن كفَر النُّعمَى كفَر

حاشا بَقاكَ المُختَبَر

يا بدْرَ مُلْكٍ لا استَسَر

ونجمَ عَدْلٍ لا انكَدَر

محا منَ الجَوْرِ الأَثَر

تَصحيفُها مِمّا استَمر

وكان فيها مُفتَخَر

على المَمالِكِ الأُخَر

فَصفّها منَ الكَدَر

وعُمَّ هاتيكَ الكُوَر

عَدْلاً إذا عَمَّ عَمَر

كم قائلٍ وما افتَكر

رَبُّ العبادِ ما فَطَر

في طَبْعِ نَوشَروانَ شَر

ولو مِنَ اسْمِهِ قَدَر

الشِّينَ والرّاءَ ستَر

عنِ الورَى إذا سطَر

قلتُ بِذا لا يُغْتَرَر

فهْو بعيد المُسْتَمَر

مُحْلٍ إذا شاءَ أَمَر

كالطّودِ ما لم يُستَثَر

واللّيثِ ما شاء خَدَر

غامدَ نابٍ وظُفُر

ثمّ إذا عادَى جَهَر

ولا يماشِيكَ الخَمَر

فلا قَرارٌ إن زَأَر

ولا بقاءٌ إن هَصَر

يا مُخجِلَ العَضْبِ الذَّكَر

من صَدْرِه رَأيٌ صَدَر

أطمعْتَ في الدَّهْرِ الظَّفَر

فلا تَعلّلْ بالعِذَر

ولا تَبِتْ على وَغَر

فلو وخَزْتَ بالإبَر

صارتْ رماحاً في الثُّغَر

يا حادِيَ العِيسِ أَثِر

أَسْرِ على السّعْدِ وسِر

إن مَسّك الدَّهْرُ بِضُر

فكَعبةَ الآمالِ زُر

فهْو مَطافُ كلِّ حُر

فاحجُجْ ذُراهُ واعتَمِر

بشَرفِ الدّينِ استَجِر

من حادثِ الدَّهْرِ يُجِر

مَولىً على النَّجمِ أَبَر

بفَضْلِه كلٌّ أَقَر

من آلِ كسْرَى في نَفَر

مثْلَ النّبِيِّ في مُضَر

نَمَوْهُ من أَزْكَى شَجَر

فطابَ فَرْعاً وطَهُر

آثارُه لِمَنْ أَثَر

كأنّها المِسْكُ ذَفَر

فَداهُ إنْ دَهْرٌ كَشَر

عن نابِ خَطْبٍ قد فَطَر

نِكْسٌ له القَلْبُ انفَطَر

مِن نُورِه الّذي بَهَر

وهل يُباري إنْ فَخَر

شمسَ الضُّحَى نجْمُ السّحر

سيفُ أَبي نَصْرٍ نَصَر

دينَ الهدى حتّى انتصَر

وللعدا طُرّاً قَهَر

سيفٌ له اللهُ شَهَر

دَمُ العدا به هَدَر

فاسلَمْ لنا من الغِير

في ظِلِّ عيشٍ لا انْحَسر

بَعيدِ وِردٍ مِنْ صَدَر

مَصونِ صَفْوٍ من كَدَر

يا مَن به العَدْلُ انتشَر

ومَن له الفَضْلُ اشْتَهَر

مادِحُه إذا نظَر

يُفرغُ في غَمْرٍ غُمَر

وعندَه الحظُّ وفَر

من كلِّ عِلمٍ يُستَطَر

نادى إليه وحشَر

آدِبُ فَضْلٍ ما انتقَر

عش ما بدا بَدْرٌ زهَر

وما به الليّلُ اعتَجَر

من غَيْثِ جُودٍ انهمَر

ولَيثِ بأسٍ استَعر

مُعطِي عطاءٍ قد غَمَر

أَصبح أَدناهُ البِدَر

مُبِرُّ رِفْدِ مَن شَعَر

وغاص فيه بالفِكَر

ثُمَّ سخا وما اقتَصَر

في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَر

فكان كالبَحْرِ زَخَر

فَعَمَّ كُلاً بالمَطَر

وخَصَّ قوماً بالدُّرَر

ياجُودُ قَولاً مُعتَبَر

حقيقةً لم تُسَتعر

مِثْلُك ما كان ظَهَر

الجودُ في شَخْصِ بَشَر

يَمْلأُ عَيْنَيْ مَن نَظَر

واللّهُ مُبِدعُ الفِطَر

يا مُغْنِياً مَنِ افتقَر

وجابِراً مَنِ انكَسَر

عَصْرُك نِعمَ المُعْتَصَر

لَديك آمالي أُخَر

ولي معاشٌ مُحتَقَر

لو كان دَمْعاً ما قَطَر

فَضُمَّ من أَمري النّشَر

وازْجُرْ زماناً بي أَضَر

فلو زجرتَ لا نْزجَر

هل بعدَ هذا منتظَر

أم آن أن يُجنَى ثَمَر

من غَرْسِ وُدٍّ مُدَّخَر

هذا المَسيرُ يُبتَدَر

فهل لنا من مُدَّكَر

كُلٌّ بأُهْبَةِ السَّفَر

أضحَى كَفُوقٍ في وَتَر

وليس لي من مُقْتَدَر

لمَرْجِعٍ ولا مَمَر

فخاطِري على خَطَر

من خَوفِ ما فيه خَطَر

بالحِجْرِ منّي والحَجَر

يَمينُ بِرٍّ ما فَجَر

لو مُلِّكَتْ نَفْسي الخِيَر

كان ذُراكَ لي مَقَر

وكان للعَينِ أَقَر

فكن أحَقَّ مَن عَذَر

عبداً لعَهْدٍ ما خَفَر

سوى هواكَ ما ذَخَر

وغيرَ عَوْدٍ ما نَذَر

فمُرْ بأمْرٍ يُؤتَمَر

أَعِدْ إلى أَمْرِي نَظَر

وهاكَ من قَولي فِقَر

كأنّها الدُّرُّ انتثَر

من كُلِّ معنىً مُبتكَر

في كلِّ بَيتٍ مُختَصَر

كأنّه على القَدَر

يومُ السُّرورِ في العُمُر

حُسْناً وطِيباً وقِصَر

كعُمْرِ سِيدِ من مُضَر

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني