الديوان » لبنان » أبو الفضل الوليد »

عودي الى ماضيك يا بغداد

عودي الى ماضيكِ يا بغدادُ

والعربُ فيكِ الصيدُ والأسيادُ

والأرضُ أنتِ لحكمِها ولعلمِها

والماءُ دجلةُ والورى ورّاد

كل السيوفِ على ظباكِ تكسّرت

وتجاهَ مجدكِ زالتِ الأمجاد

وكذا الملوكُ تساقطت تيجانُهم

لعمامةٍ خرَّت لها الأطواد

وعروشُهُم حملت سريرَ خلافةٍ

حفّت به الأملاكُ والأجناد

أمدينةَ المنصورِ يا زوراء يا

بلدَ السلامِ سَلِمتِ يا بغداد

أنتِ المقدسةُ التي لجلالِها

نحني الرؤوسَ وكلُّنا عبّاد

النار قد خمدت ونامت أمتي

وبذكركِ الإيقاظُ والإيقاد

فكأنهُ البوقُ الذي لدويّهِ

تذرى القبورُ وتُنشَرُ الأجساد

وكأنه النارُ التي منها الهُدى

للتائهينَ وكلّهم رُوَّاد

كان الرشيدُ عليكِ يبسطُ ظلَّه

وإلى إشارتِه الورى ينقاد

وعليهِ من عزِّ الخلافةِ هيبةٌ

يصفرُّ منها الكوكبُ الوقاد

إن حجّ سارَ الشرقُ طراً خلفَهُ

وطريقُه الديباجُ والسجّاد

وإذا غزا قادَ الجحافلَ ظافراً

والرومُ حليةُ جيشِها الأصفاد

وزبيدةُالسلطانةُ العظمى التي

كانت لديها تَربُضُ الآساد

بسقت سميراميسَ ربةَ نينوى

والكونُ تحتَ ذيولها ميّاد

أمُّ الأمين لها صنائعُ جمَّةٌ

حيثُ اعترى أهلَ الصلاحِ فساد

شَملت مراحمُها رعيتَها ولم

تُرحم فطال على الأمينِ حداد

حَسُنَ المثالُ بها لكلّ مليكةٍ

عربيةٍ جدُّ لها الهدهاد

فيما مضى الخلفاءُ أو أولادهم

قادوا الجيوشَ وكلُّهم أجلاد

كم زحفةٍ زحف الرشيدُ بجيشهِ

حتى الخليجِ ودونَه الإزباد

ففدت أرينةُ بالهدايا نَفسها

وبلادها وسِلاحها الإرفاد

لما تمرّدَ نيقفورُ أذلَّه

ولجيشهِ التبديدُ لا الإبداد

فُتحت هرقلةُ والخرابُ نصيبُها

وهي التي اعتزَّت بها الأضداد

ولفتح عموريّةِ اضطربَ الورى

والنارُ فيها المعتدون وقاد

بغدادُ يا ثكلى الخلافةِ رجّعي

نَوحاً لهُ تتفتّت الأكباد

فلعلَّ ترجيعَ النواحِ وراءَه

هُوجُ الرياحِ وبَعدها الإرعاد

أتعود فيكِ خلافةٌ قرشيَّةٌ

كانت بياضاً والشعارُ سواد

أين المدارسُ والمكاتبُ رحبةً

والعلم فيها طارفُ وتلاد

أين الجحافلُ والمحافلُ والألى

سادوا وشادوا والشعوبُ تُفاد

دَرست معاهدُكِ الفخيمةُ بعدَهم

فسقى عهودَكِ مدمعٌ وعهاد

الدرُّ تُطرحُ بعدَهُ أصدافُه

والبيضُ تُكسرُ بعدَها الأغماد

طمسَ الزمانُ قصورَهم وقبورَهم

والمكرماتُ مع الكرامِ تُباد

أين الذين تقلّدوا أسيافَهم

حتى شكا حملَ الحسامِ نِجاد

ذهبوا وهذا نسلُهم متقاطعٌ

لا نجدةٌ منه ولا إنجاد

إنّ المدائنَ والحصونَ تهدّمت

لبناءِ مجدكِ والرماحُ عماد

وا حسرتاه على زمانٍ كلُّهُ

شرفٌ وعزُّ حيثُ تُلفَظُ ضاد

العربُ بعدَ جهادِهم وجلادِهم

ألِفوا الخمولَ فما أفادَ جهاد

أجدادُهم هَرقوا على ميراثِهم

أزكى دمٍ حيثُ الحياةُ جلاد

نادي أبا دُلفٍ وقولي يا أخا

عجلٍ أغثني فالخطوبُ شِداد

قد كنتَ تغزو الرومَ خيرَ مجاهدٍ

ويدوسُ منكَ على الحصونِ جواد

أسوارُ قسطنطينية شهدتكَ من

كثبٍ وملءَ جفونِها الإسهاد

بالنفسِ جدتَ لكي تصونَ مهابتي

وعلى جَلالي بالنفوسِ يُجاد

ورميتَ أبناءَ العلوجِ بجحفلٍ

لانت لوطأةِ خيلهِ الأصلاد

ووراءَك العربيُّ سارَ مجاهداً

وأمامَهُ فتحٌ أو استِشهاد

بعثوا إليكَ بفديةٍ أو جزيةٍ

وكذا العدوُّ بما يَكيدُ يُكاد

كم بطشةٍ لكَ في عساكرِ قيصرٍ

منها هوى تاجٌ وطارَ فؤاد

فاذا تردّدَ ذكرُها في مجلسٍ

يتضاءلُ البطريقُ والأشهاد

هل لابن مزيدَ في ربوعِك صولةٌ

والمجدُ تحتَ لوائِهِ يزداد

قد كان أبسلَ قائدٍ وحِسامُهُ

لسيوفِ قوّادِ العدى نقّاد

نالت به دارُ الخلافةِ عزّةً

ما نالها عادٌ ولا شدّاد

وبسيفِ هرثمةِ بن أعينَ فاخري

كلّ السيوف فإنهُ مقداد

ما استلَّه إِلا لِفَلقَةِ فَيلقٍ

أو دكّ حصنٍ فَتحُهُ ميعاد

وأبو سعيدٍ للثغورِ وللعدى

ورماحُهُ في هامِهم تنآد

وجوادُه العربيُّ يَقحَم بَحرَهم

ويودُّ دوسَ عروشِهِم فيكاد

وبنو حميدٍ قد حمدتِ بلاءَهم

وجميعُهم أبطالُكِ الأنجاد

قَدحت سنابكُ خيلهم أرضَ الألى

جحدوا الهدى ومن الرؤوسِ زناد

فتوشمت منها وعن آثارها

تتساءلُ الأغوارُ والأنجاد

ما لي أعدُّ من الرجالِ أشدَّهم

ولذكرِهم بين الورى تَرداد

الأرضُ والتاريخُ عن أخبارهم

وفتوحهم ضاقا فلا تعداد

ذهبَ الرشيدُ وزالَ رشدُكِ بعدَه

فاليومَ لا رشدٌ ولا إرشاد

ذيالكَ الجبّارُ أصبحَ نسلُهُ

قزماً فضيّع مُلكَهُ الأحفاد

أودى بنو العباسِ فوقَ أسرَّةٍ

قتلى عليهم شُقَّتِ الأبراد

وعبيدُهم متحكِّمونَ بِدَولةٍ

مع أهلِها ذهبَ الندى والآد

أصلُ البلاءِ من الذي حرّاسُهُ

تُركٌ ولا عهدٌ لهم ووداد

ضاقت بهم بغدادُ حتى ملّها

سكانُها ولدورِهم إيصاد

لا كان معتصمٌ به انفصمت عرى

ملكٍ عليه للرشيدِ رشاد

من مصرَعِ المتوكّلِ ارتاعَ الورى

وتجرأ الغلمانُ والأوغاد

لم تعصمِ الخلفاءَ منهم عصمةٌ

قرشيّةٌ ما مَسّها الأنداد

والحكمُ للمملوكِ عندَ خليفةٍ

سَجَدت له الأمراء والعبّاد

دار الخلافةِ هل لإبراهيمَ أو

إسحاقَ صوتٌ يُشتَهى فيعاد

في رَبعِكِ الزاهي غناؤهما لهُ

ذابت قلوبٌ ثم لانَ جماد

قد كانتِ الأملاكُ تأخذُ عنهما

لحناً عليهِ تُنَطَّق الأعواد

والوحشُ مصغيةٌ إلى ترنيمِها

وكأنما أوتارُها أقياد

لو عمّر الهادي بنى داريهما

من عَسجدِ فوقَ اللُّجينِ يُشادِ

أيعود بشّارُ بنُ بردٍ منشداً

فيميلُ دجلةُ أو تميسُ سعاد

وأبو العتاهيةِ الذي أشعارُه

طربت لها الأملاك والزهّاد

وأبو نؤاسٍ ضافرٌ أو ناظمٌ

والكأسُ منها الوحيُ والإمداد

ولبسمهِ قصرُ الخلافةِ باسمٌ

ونصيبُه الإكرامُ والإسعاد

والخمرُ مشرقةٌ عليه وخلّه

ورفيقُه الخمَّارُ والصَّياد

وعلى ثمالة كأسهِ وغرامهِ

تحنو جنانٌ والهوى استعباد

تلك القلوبُ شريفةٌ وشجيّةٌ

كانت وفيها للمحاسنِ زاد

خمدت قلوبُ الأمسِ بعد تضرُّمٍ

أمّا قلوبُ اليومِ فهي رَماد

إن النفوسَ تقودُها ملكاتُها

والنفسُ عاشقةٌ لما تعتاد

هلا تُعيدينَ الخلافةَ والعلى

ليطيبَ فيكِ النظمُ والإنشاد

وعلى المنابرِ يجلسُ العلماءُ في

ملكِ تقيهِ أسدّةٌ وسداد

وعلى المحافلِ تطلعُ الخطباءُ أو

بينَ الجحافلِ تبررُ القواد

ما أعظمَ المأمونَ يَطلعُ غازياً

حتى يكونَ لملكهِ إخلاد

وأُجلُّهُ يوم التناظرِ جالساً

كيما يزول العيُّ والإفناد

بغدادُ أنتِ مدينةٌ عربيّة

ومن الأمومة يُحرمُ الأولاد

الإنكليزُ جيوشُهم جرارةٌ

وجنودُهم تغتالُ أو تصطاد

بغضُ الوجوهِ البرشِ فيكِ طبيعةٌ

العربُ سُمرٌ والعرابُ جياد

إن العراقَ هو العريقُ عروبةً

وإلى عروبته لهُ إسناد

من عهد حمّورٍ وعهدِ سميرةٍ

للعربِ فيهِ دقّتِ الأوتاد

والحيرةُ البيضاءُ تذكرُ عهدَهم

حيثُ المناذرةُ الأماجدُ سادوا

وسما بنو ماءِ السماءِ بملكِهم

وعليهِ كِسرى حاسدٌ يرتاد

وبمصرعِ النعمانَ عندَ عدوّه

درسَ الخورنقُ والسديرُ وبادوا

حتى إذا ما قومُه ثأروا له

في القادسيةِ والقتالُ طِرادُ

ظهرت على الضفّاتِ بغدادُ التي

فيها لأفلاكِ العُلى مِرصاد

لولا الأعاجمُ ما تداعت دولةٌ

عربيةٌ عَظمت بها الأمجاد

ما حالُ ملكٍ خارجٍ من أهلهِ

ينزو عليهِ من الخصومِ لداد

سَبَبُ التأخُّرِ والسّقوطِ تخاذلٌ

للعزمِ فيهِ والنشاط نفاد

فإلى الأجانبِ سلَّموا أحكامَهم

والأجدَرونَ بها لهم إبعاد

ما كانَ أتعسَ أمّةٍ تشقى بهم

فيؤمَّر السجّانُ والجلّاد

العودُ لا يحييه غيرُ لحائهِ

والملكُ عنهُ بالصميمِ يُذاد

لا حقَّ إِلا للأصيلِ برتبةٍ

في دولةٍ دخلاؤُها أنكاد

إن المناصبَ في البلادِ لأهلِها

فمِنَ الأقاربِ صادقٌ وجَواد

وعلى الأجانبِ حُرِّمت لوقايةٍ

ورعايةٍ حيثُ الفلاحُ يُراد

يا أيها العربُ الأحامسُ حاذروا

شرَّ الدّخيلِ فدأبُهُ الإفساد

وتجرَّدوا للمكرماتِ وجرّدوا

دونَ الحدودِ البيضَ وهي حِداد

الصَّقلُ والإرهافُ من تجريدها

وكهومُها يأتي بهِ الإغماد

لا خيرَ فيكم والأعاجم بينكم

يتحكّمونَ فتحكمُ الأحقادُ

إن تغسلوا دونَ القلوبِ تُطَهِّروا

وطناً عليهِ من العلوجِ جرَاد

وتجمّعوا أُمناء حولَ مؤمّرٍ

لتهونَ منكم طاعةٌ وقياد

الشعبُ يعظمُ قَدرُهُ من فَردِه

إنَّ الشعوبَ يسوسُها الأفراد

والملكُ بالأفرادِ والمجموعُ ما

عزّت وذلّتأمةٌ وبلاد

شدّوا وشِيدوا دولة عربيّةً

يُرجى لها بعد الفناءِ معاد

ولحفظِ هيبتها يظلُّ خميسُها

شاكي السلاح بهِ يحفُّ عَتاد

وعليهِ قوَّادٌ لردّ كريهةٍ

إعدادهم دُهشت لهُ الأعداد

وثغورُها عندَ الرّباطِ كأنها

جُمعٌ مِن الأيامِ أو آحاد

معلومات عن أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة، المتلقب بأبي الفضل الوليد. شاعر، من أدباء لبنان في المهجر الأميركي. امتاز بروح عربية نقية. ولد بقرنة الحمراء (في المتن)..

المزيد عن أبو الفضل الوليد

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة أبو الفضل الوليد صنفها القارئ على أنها قصيدة وطنيه ونوعها عموديه من بحر الكامل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس