الديوان » العصر الأندلسي » عبد الغفار الأخرس »

يا نائبا غاب عني الصبر مذ بانا

عدد الأبيات : 60

طباعة مفضلتي

يا نائباً غابَ عنِّي الصّبر مُذْ بانا

هلاّ سألتَ عن المشتاق ما عانى

ما راق في عينه شيء يروق لها

ولا اصطفى غير من صافيت إخوانا

ولا إذا غرَّدت ورقاء في فنن

أملَت عليَّ من الأوراق أشجانا

وصرت في حال من لا يبتغي بدلاً

بالأهل أهلاً وبالجيران جيرانا

ما زلت أخضِلُ أجفاني بأدمعها

إذا تذكَّرتُ أوطاراً وأوطانا

أشدّهم في الوغى بأساً وأكرمهم

كفًّا وأعظمهمُ في قدره شانا

خليفة الله في الأقطار محترم

إنَّ العزيز عزيز حيث ما كانا

فلا كنامق والٍ للعراق ولا

كمثل عبد العزيز اليوم سلطانا

فلو وزنت ملوك الأرض قاطبة

لزادهم في الندى والبأس رحجانا

أراعها ما رأته من عزائمه

فأذعنت لمليك الأرض إذعانا

ولم يربه ركوب البحر من خطر

لما تنقل بلداناً فبلدانا

كالشمس إذ تملأ الدنيا أشعتها

لا تستطيع لها الأقطار كتمانا

قد صان مملكة الإسلام أجمعها

فصانه الله حِفظاً مثلما صانا

وما ادّعى الفخر مجدٌ في صنائعه

إلاَّ أقام عل ما قال برهانا

الله يكلأه مما يحاذره

وزاده الله بعد الأمن إيمانا

وهل يبالي بشيءٍ أو يحاذر من

أمرٍ ويرهب أمثالاً وأقرانا

من كانَ مستنصراً بالله متخذاً

حزب الملائك أجناداً وأعوانا

رأت من الملك السامي جلالته

فطأطأت أرؤساً منها وتيجانا

أبدت خضوعاً وقرّت أعيناً وجلت

عن القلوب من الأضغان أدرانا

صافى فصوفي حتَّى لم تجد أحداً

إلاَّ ويوليه بالنعماء شكرانا

صلب على الخصم لو تلقى الخطوب به

في نارها طول هذا الدهر ما لانا

يقضي النهار بأحكام يُدَبّرها

رأياً ويتلو بجنح الليل قرآنا

وأظهرت بالعراق العدل رأفته

من بعد ما مُلِئت ظلماً وعدوانا

فانقادت الناس عن أمرٍ لطاعته

طوع القياد فلا تأباه عصيانا

نعم الرجال رجال يحدقون به

كانوا لدولته الغَرّاء أركانا

كم أحرقت شهبه للماردين فما

أبقَتْ على الأرض للباغين شيطانا

رأت له معجزات الفخر فاختلقت

مذاهباً في معاليه وأديانا

فأجمعت أممُ الإفرنج واتَّفَقَت

على محبَّته شيباً وولدانا

بينا تراهم أسودَ الحرب إذ وُجِدوا

يحلّقون بجوّ الفخر عُقبانا

يقاتلون العدى صَفًّا فتحسبهم

في يوم معترك الأعداء بنيانا

فالبصرةَ الآن في خفضٍ وفي دعةٍ

وكلّ خير أتاها من سليمانا

أجاد فيما يراه من سياستها

فزان ما كانَ قبل اليوم قد شانا

وكيفَ أسلو أحبَّاءً مُنِيت بهم

وما وجدت لهذا القلب سلوانا

يا شدَّ ما راعني يوم الفراق ضحًى

ودَّعْتُ فيه من الغادين أظعانا

ولا يميل إذَنْ إلاَّ إلى شرف

ذو اللبّ متّخذ الأَشراف أخدانا

ولا سمعت بشيء من مناقبه

إلاَّ انثنيت بما أسمعت نشوانا

تَتَبَّعوا المجد حتَّى قال قائلهم

أحْيَتْ ملوكُ بني عثمان عثمانا

فأطلقت ألْسُنَ الدنيا مدائِحُه

وأسْمعت مَن بها سرًّا وإعلانا

جمعت منها قلوباً قلَّما اجتمعت

محبَّة فيك ساداتٍ وأَعيانا

وإنْ تلفَّظت في نطق وفي قلم

قرّطت من دور الأَلفاظ آذانا

لقد حكيت وما فاتتك فاتنة

قسّ الفصاحة أو ناظرت سحبانا

أحْسَنْتَ في كلِّ ما دبّرْت من حكم

جُزِيتَ عن ذلك الإِحسان إحسانا

فمن كمالك عن رأي ومعرفة

وضعت للعدل والإِنصاف ميزانا

فضل من الله أُوتينا الكمال به

فضلتَ غيرك معروفاً وعرفانا

لله درّك بين الناس من فطن

حيّرت في ذهنك الوقَّاد أذهانا

حلم به تترك النيران باردةً

وعزمة تترك الأَمواه نيرانا

لا تُنزلُ الجود إلاَّ في منازله

وما عزّ عندك من شيء وما هانا

أبصرت أشياءَ لا تخفى منافعها

كأن الأَوائل عنها الدهر عميانا

والناس من ذلك التنظيف يومئذٍ

كأنَّما انتشقت روحاً وريحانا

سقيتنا الماء عذباً ما به رنق

فأصبح الظَّامئ العطشان ريَّانا

ولم تدع وجميع الناس تملأه

ممَّا يزيد بمرضى البحر بحرانا

صحت بك البصرة الفجار من مرض

أضرَّ بالناس أرواحاً وأبدانا

من بعدما كانَ الأَمراض قد صبغت

منها الوجوه بصبغ الموت ألوانا

من ذا الَّذي ينكر الأَشياء حينئذٍ

وقد قلبت من الأَبدان أعيانا

يا دوحة المجد نزكو في مغارسها

أصلاً وفرعاً وأغصاناً وقضبانا

على جبينك خَطَّ المجدُ أسطُرَه

وكم قرأت لذاك الخطّ عنوانا

ويا لك الله إن حرَّزت من رجل

يمثّل السحر ألفاظاً وتبيانا

تجنى ثمار المعالي من رسائله

حتَّى غدت عن رياض الفضل بستانا

ومذ بدا وجهك الزَّاهي لأعيننا

جلا عن البصرة الفيحاء أحزانا

وفي قدومك ما تمَّ السرور به

وربَّما غابت الأَقمار أحيانا

معلومات عن عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار الأخرس

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب. شاعر من فحول المتأخرين. ولد في الموصل، ونشأ ببغداد، وتوفى في البصرة. ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره. ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه. له..

المزيد عن عبد الغفار الأخرس

تصنيفات القصيدة